تتصرف الحكومة المغربية الحالية كـ”حكومة أرقام” تُغدِق في الحديث عن المؤشرات والجداول، بينما يتدهور شعور المغاربة بالأمان الاجتماعي والعدالة المجالية تحت السطح. التقارير الرسمية لا تكذب بالضرورة، لكنها لا تقول كل الحقيقة عن واقع الفقر والبطالة وغلاء المعيشة واحتقان الشارع، فتتحول إلى واجهة لامعة تُخفي أعطابا عميقة في جسد المجتمع.
أرقام مزدهرة في مجتمع متعب
تُقدِّم الحكومة وأحزاب الائتلاف الحكومي سردية متفائلة عن نمو عاد إلى الارتفاع بعد الجائحة والأزمة الطاقية، وعن أن عجز الميزانية تحت السيطرة، وعن مشاريع استثمارية كبرى تحضيرا لكأس العالم 2030. وتثني تقارير دولية بالفعل على استقرار الإطار الماكرو اقتصادي، وتعتبر المغرب نموذجا متوسط الدخل يسير في مسار إصلاحات هيكلية بمجالات الاستثمار والحماية الاجتماعية والانتقال الطاقي.
وفي الجهة المقابلة، تُظهر تقارير تقييمية أن هذا “الاستقرار من فوق” لم ينعكس بما يكفي على حياة الناس اليومية. بين 2019 و2022، تراجعت مستويات العيش الحقيقية بحوالي 7.2% على المستوى الوطني بفعل الجائحة والتضخم، ما دفع 3.2 ملايين شخص إضافي إلى وضعية إقصاء متعدد الأبعاد، بحسب أرقام المندوبية السامية للتخطيط التي يحيل إليها تقرير BTI لسنة 2024. وتُقدّر تقارير أممية ومنظمات دولية أن مئات الآلاف من المغاربة لا يزالون يعيشون تحت عتبة الفقر المدقع الدولية (1.90 دولار في اليوم)، رغم كل ما يُصرف على البرامج الاجتماعية.
بطالة وهشاشة اجتماعية خلف لغة “الفرص”
تستعمل في التقارير والبلاغات الحكومية، مفردات من قبيل “دينامية الاستثمار” و”خلق فرص الشغل” و”تحسين جاذبية الاقتصاد الوطني”. غير أن أرقام سوق الشغل ترسم واقعا أشد قتامة. فمعدل البطالة ظل في حدود 13% تقريبا في نهاية 2024 وبداية 2025، مع ارتفاع خاص وسط الشباب وسكان المدن، حيث تتجاوز بطالة الشباب في بعض التقديرات ثلث الفئة العمرية المعنية.
وتؤكد تقارير البنك الدولي ومنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية أن سوق الشغل في المغرب يعاني من ثلاثية قاتلة: بطالة مرتفعة لدى الشباب، ومشاركة ضعيفة جدا للنساء في العمل، واتساع الاقتصاد غير المهيكل بما ينتجه من وظائف هشة ومنخفضة الأجر بلا حماية اجتماعية. تقرير منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية لسنة 2024 يشير إلى أن الإنتاجية في المغرب ما تزال متخلفة بشكل واضح عن “الحدود العالمية”، وأن جزءا كبيرا من الشباب إما عاطل أو محصور في أنشطة غير مهيكلة بأجور زهيدة وآفاق غامضة.
في رواية الحكومة، يُصاغ كل هذا في جملة واحدة: “تحديات سوق الشغل”، بينما يشعر جيل كامل – كما تعكس حركات الاحتجاج الشبابية الأخيرة – بأنه ضحية نموذج اقتصادي لا يراه إلا كرقم في خانة “المستفيدين المحتملين” من برامج الدعم، لا كمواطن يطالب بعمل كريم ومسار حياة واضح.
الفقر المتعدد الأبعاد: ما لا تقوله جداول الدخل
وتعترف تقارير المندوبية السامية للتخطيط والمؤسسات الدولية بأن الفقر في المغرب لم يعد مجرد فقر دخل، بل فقر متعدّد الأبعاد يمس التعليم والصحة والسكن والحماية الاجتماعية. ملخص المؤشرات المتعددة الأبعاد للفقر يؤكد أن ملايين المغاربة ما يزالون محرومين من خدمات أساسية، كمدارس ذات جودة، مراكز صحية قريبة، سكن لائق، وشبكات حماية فعالة ضد المخاطر الاجتماعية.
مع ذلك، تميل الخطابات الرسمية إلى التركيز على نسب الفقر النقدي أو على متوسط الدخل، ما يعطي انطباعا بتحسن تدريجي، ويتجاهل هشاشة واسعة في الطبقات الوسطى والدنيا التي تآكلت بفعل الغلاء وغياب أمان تشغيلي حقيقي. وتظهر استطلاعات رأي حديثة ارتفاعا ملحوظا في نسبة المغاربة الذين يعتبرون أن “الأزمة الاجتماعية تتفاقم” وأن الفساد والمحسوبية في مؤسسات الدولة تُضعف الثقة في قدرة الحكومة على معالجة الجذور لا الأعراض.
حكومة البرامج الاجتماعية… فعالية محدودة
منذ الاستقلال، راكم المغرب شبكة كثيفة من البرامج الاجتماعية (نحو 140 برنامجا تديرها أكثر من 50 مؤسسة مختلفة)، موجهة نظريا لمحاربة الفقر والهشاشة. رغم “عشرات مليارات الدراهم” التي خُصصت لها، تُجمع التقييمات الرسمية وشبه الرسمية على محدودية فعاليتها، بسبب تشتت المتدخلين، وضعف الاستهداف، وتداخل البرامج، وعدم ربط الدعم بمسارات للتمكين الاقتصادي والاندماج.
ردّ الحكومة على هذا التشخيص كان إطلاق مشروع السجل الاجتماعي الموحّد وإصلاح شامل لمنظومة الحماية الاجتماعية، مع تعميم التأمين الصحي وإطلاق برنامج “الدعم الاجتماعي المباشر” للأسر، بميزانية تناهز 1.6% من الناتج الداخلي الخام سنويا بحسب البنك الدولي. ويفاخر رئيس الحكومة في خطابه، بأن المغرب أصبح من البلدان الإفريقية القليلة التي تخصّص حوالي 2% من ناتجها لبرامج دعم اجتماعي مباشر، معتبرا ذلك ثورة اجتماعية حقيقية.
لكن تقارير تحليلية مستقلة تحذر من أن التركيز على “رقم” نسبة الإنفاق يخفي سؤالا أكثر حساسية: هل يصل هذا الدعم فعلا إلى الأكثر هشاشة؟ وهل يُخرج المواطنين من دائرة التبعية إلى دائرة الاستقلالية، أم يكرس علاقتهم بالدولة كمانح إحسان دوري لا كشريك في المواطنة والتنمية؟ هنا تحديدا يتجلى جوهر “حكومة الأرقام”: تُرفع نسبة الإنفاق الاجتماعي في التقارير، دون أن تُقاس بما يكفي نوعية الأثر على تمكين الأسر، وعلى خلق فرص شغل حقيقية، وعلى كسر دوائر التهميش المجالي والاجتماعي.
التقارير الرسمية… انتقاء زوايا الرؤية
وثيقة “30 شهرا من الإنجازات” التي أصدرتها رئاسة الحكومة تُعتبر تجسيدا مكثفا لذهنية “حكومة الأرقام”. التقرير يركز على عدد البرامج التي أُطلقت، حجم الاعتمادات المرصودة، عدد المستفيدين المسجلين في السجل الاجتماعي، وعدد المشاريع الاستثمارية والمصانع التي تم تدشينها.
لكن في المقابل، نادرا ما نجد في مثل هذه الوثائق مؤشرات تفصيلية عن: تطور الفقر المتعدد الأبعاد حسب الجهة، وعن جودة الوظائف المحدثة (أجر، استقرار، حماية اجتماعية)، وعن أثر الإصلاحات على الخدمات العمومية في الصحة والتعليم، أو تطور الثقة في المؤسسات لدى المواطنين. التقارير الحكومية تختار زاوية رؤية “من فوق”: ماذا فعلت الحكومة؟ كم صرفت؟ كم سجّل في المنصات الرقمية؟ بينما يتطلب التقييم الحقيقي زاوية “من تحت”: كيف تغيّرت حياة المواطن في الحي الهامشي أو القرية البعيدة؟
حتى عندما تُنشر تقارير وطنية رسمية عن الفقر والهشاشة، كما تفعل المندوبية السامية للتخطيط، فإنها غالبا ما تُقرأ سياسيا بطريقة انتقائية، يُستعمل فيها ما يخدم الخطاب حول “التقدم النسبي” ويُهمل ما يفضح التفاوتات الاجتماعية والمجالية أو تدهور القدرة الشرائية. هذا ما دفع بعض المحللين إلى القول بأن “المعطيات الرسمية لا ترقى إلى مستوى تصوير الهشاشة الحقيقية”، وأن الفجوة بين الجداول الإحصائية وتجربة الحياة اليومية للمواطن صارت مصدرا أساسيا للاحتقان.
الشارع كمرآة موازية للأرقام
الاحتجاجات الاجتماعية الأخيرة، خاصة حراك “جيل زد 212” والمظاهرات ضد غلاء المعيشة، تحوّلت إلى استفتاء شعبي غير رسمي على صدقية خطاب “الأرقام الجميلة”. وتشير تقارير بحثية إلى أن هذه الحركات تعبّر عن غضب عميق تجاه نموذج تنموي يُكثر من المشاريع الضخمة (ملاعب، موانئ، مناطق صناعية)، بينما يتأخر في توفير خدمات أساسية محترمة في الصحة، والتعليم والنقل والعمل.
و تذهب تحليلات مراكز بحث دولية مثل مؤشر تحويل بيرتلسمان ومقالات رأي في صحف فرنكفونية وعالمية إلى أن الاحتجاجات الشبابية تكشف “شقوقا في النموذج الاقتصادي المغربي”، حيث تتعايش واجهة من “النجاح الماكرو اقتصادي” مع قاعدة واسعة من الإحباط الاجتماعي والشعور باللاعدالة. ويستشهد بعض هذه التحليلات باستطلاعات رأي تُظهر تراجع الثقة في الأحزاب والمؤسسات المنتخبة إلى حدود 30% أو أقل، وتنامي اللجوء إلى الشارع ووسائل التواصل الاجتماعي للتعبير عن المطالب.
في هذه المرآة الميدانية، لم تعد الأرقام الرسمية عن نسب النمو أو حجم الاستثمارات كافية لتبديد شعور الشباب بأنهم “خارج المعادلة”، وأن كل ما يحصلون عليه من الحكومة هو بطاقة دعم أو منحة ظرفية، لا عقدا اجتماعيا يُنصفهم في التعليم والشغل والعدالة والكرامة.
الإصلاحات الكبيرة… إلى أين يتجه ريعها الاجتماعي؟
من الإنصاف القول إن المغرب انخرط في إصلاحات مهمة: تعميم التغطية الصحية، إصلاح منظومة الدعم، إطلاق السجل الاجتماعي، وإعادة هيكلة المنظومة الصحية والتربوية. البنك الدولي ومنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية يثمنان هذه الخطوات، ويعتبرانها واعدة إذا تم تنفيذها بفعالية وعدالة.
لكن الإشكال، كما تشير ورقة بحثية حول برامج الحماية الاجتماعية بالمغرب، هو أن “الرهان ليس فقط إطلاق الإصلاح، بل ضمان ألا يتحول إلى هندسة تقنية جديدة تعيد إنتاج نفس الأعطاب القديمة: تضارب البرامج، ضعف الاستهداف، محدودية الأثر على اللا مساواة”. وفي غياب آليات قوية للمحاسبة والشفافية وقياس الأثر الاجتماعي الحقيقي، يمكن أن يصبح الإصلاح ذاته جزءا من ماكينة “حكومة الأرقام”: حيث تضيف الحكومة منصات رقمية جديدة، وتسجل ملايين الأسر، وتعلن عن نسب إنجاز متقدمة، لكنها لا تغيّر جذريا علاقة المواطن بالدولة ولا مسار حياته.
حكومة المواطن لا حكومة المؤشر
البديل ليس رفض الأرقام ولا نبذ التقارير؛ بالعكس، فالمطلوب هو تحرير الأرقام من الاستعمال الدعائي، وجعلها أداة مساءلة لا أداة تبرير. حكومة المواطن، لا حكومة الأرقام، تعني على الأقل:
الانتقال من التركيز على “كم صرفنا؟” إلى “كيف غيّر ما صرفناه حياة الناس؟”. ونشر مؤشرات مفصلة عن الفقر المتعدد الأبعاد حسب الجهة، وعن جودة الخدمات العمومية، والاستماع إلى ما تقوله الأرقام غير المريحة بنفس الجدية التي يُحتفى بها بالأرقام الإيجابية. وإشراك الباحثين المستقلين والمجتمع المدني في قراءة المعطيات الرسمية، بدل احتكار تأويلها داخل دوائر الحكومة وأذرعها الإعلامية.
ويذكر تقرير منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية لسنة 2024 بوضوح أن المغرب، كي يحقق رؤية النموذج التنموي الجديد، يحتاج إلى مسار “تقارب أقوى” مع الدول الصاعدة، عبر رفع الإنتاجية، ومحاربة الريع، وإصلاح التعليم وسوق الشغل، وتوسيع طبقة وسطى حقيقية. وهذا لن يتحقق عبر تحسين شكل الجداول في العروض التقديمية، بل عبر قرارات سياسية شجاعة تُعيد ترتيب الأولويات لصالح الإنسان قبل المؤشر.
حين لا تعود الأرقام كافية
في النهاية، لا يمكن اختزال المغرب في منحنيات نمو ولا في نسب استثمار ولا في أرقام مستفيدين من برامج الدعم؛ فكل ذلك قد يكون صحيحا تقنيا، لكنه ناقص إنسانيا. ما يطفو اليوم على سطح الشارع وشبكات التواصل الاجتماعي هو الفاتورة المؤجلة لسنوات من التعويل على “لغة الأرقام” لتسكين “ألم المجتمع”.
حكومة الأرقام يمكن أن تربح معركة التواصل، لبعض الوقت، لكنها تخسر بالتدريج معركة الشرعية والثقة إذا ظلت الفجوة قائمة بين ما تقوله تقاريرها وما يعيشه مواطنوها في طوابير المستشفيات، وأبواب مكاتب الشغل، وأحياء الهامش. حكومة المواطن، بالمقابل، تبدأ حين تُعامَل هذه الأرقام نفسها كجرس إنذار لا كشهادة براءة، وحين يصبح سؤال: “كيف يعيش الناس فعلا؟” أهم من سؤال: “كيف نبدو في التقارير؟”















