حين تصبح الخدمة العامة في أميركا بطاقة عبور لإمتيازات لا تنتهي !

الحدث بريس6 يناير 2026
الخدمة العامة في أميركا.. بطاقة عبور لامتيازات لا تنتهي

يثير الحديث عن أضخم راتب تقاعدي متعلق بالخدمة العامة في تاريخ الولايات المتحدة. والذي يتقاضاه الرئيس السابق جو بايدن نقاشاً واسعاً يتجاوز الأرقام ليصل إلى جوهر النظام السياسي الأميركي نفسه. وحدود الامتيازات التي تمنح لكبار المسؤولين بعد مغادرتهم مناصبهم.

فالقصة لا تتعلق فقط بشخص بعينه. بل بنموذج متكامل من القوانين والتشريعات التي راكمت عبر عقود طويلة منظومة تقاعد استثنائية. جعلت بعض المسؤولين السابقين يتمتعون بمداخيل ثابتة تفوق ما يتقاضاه ملايين الأميركيين طيلة حياتهم المهنية.

في الولايات المتحدة، لا ينظر إلى الرئاسة أو المناصب العليا كوظائف عادية. بل كمواقع سيادية تستوجب، بحسب المشرّع الأميركي. ضمان “كرامة المنصب” حتى بعد انتهاء الولاية. من هنا جاء “قانون الرؤساء السابقين” الذي أقر في خمسينيات القرن الماضي، ومنح كل رئيس يغادر البيت الأبيض معاشاً سنوياً سخياً. إضافة إلى حماية أمنية دائمة، ومكاتب، وطاقم إداري، ومصاريف تشغيل تتحملها الخزينة العامة. هذا القانون، الذي صمم في سياق تاريخي مختلف، تحوّل مع مرور الزمن إلى أساس قانوني لمعاشات تعد خيالية بمقاييس المواطن الأميركي العادي.

غير أن ما جعل بعض المعاشات التقاعدية تبلغ مستويات غير مسبوقة هو تراكم الامتيازات. فبعض الرؤساء والمسؤولين الكبار لم يأتوا إلى البيت الأبيض من خارج النظام. بل قضوا عقوداً في الكونغرس أو في مناصب تنفيذية عليا. ما مكّنهم من الاستفادة من أكثر من نظام تقاعدي في آن واحد. سنوات طويلة في مجلس الشيوخ، ثم منصب نائب الرئيس، ثم الرئاسة، تعني تلقائياً حقوقاً متعددة تجمع في نهاية المسار السياسي. لتنتج راتباً تقاعدياً قد يفوق حتى الراتب الرسمي أثناء تولي المنصب.

أسئلة دون ردود

هذا الواقع يطرح أسئلة محرجة داخل المجتمع الأميركي، خصوصاً في ظل تصاعد النقاش حول العدالة الاجتماعية، وتآكل الطبقة الوسطى. ومعاناة ملايين المتقاعدين من معاشات بالكاد تكفي لتغطية تكاليف المعيشة والرعاية الصحية. كيف يمكن تبرير معاش تقاعدي سنوي لمسؤول سابق يعادل دخل عشرات العائلات مجتمعة؟ وهل لا تزال المبررات الأخلاقية والسياسية التي صيغت قبل عقود صالحة في زمن الأزمات الاقتصادية والعجز المتفاقم في الميزانية؟

المدافعون عن هذه الامتيازات يرون أن المناصب العليا، وعلى رأسها الرئاسة، تفرض قيوداً دائمة على شاغليها حتى بعد مغادرتهم السلطة. سواء من حيث الأمن الشخصي أو الالتزامات البروتوكولية والرمزية. ويعتبرون أن هذه المعاشات ليست “مكافأة”، بل ضمانة لاستقلالية المسؤول السابق، حتى لا يصبح عرضة للضغوط أو الإغراءات المالية. في المقابل، يرى منتقدون أن هذا المنطق لم يعد مقنعاً، خاصة في ظل قدرة كثير من الرؤساء السابقين على تحقيق مداخيل ضخمة من المحاضرات والكتب والاستشارات.

قصة أضخم راتب تقاعدي في تاريخ الولايات المتحدة تكشف، في جوهرها، عن فجوة متنامية بين النخبة السياسية وبقية المجتمع. وهي تفتح نقاشاً عميقاً حول طبيعة الخدمة العامة: هل هي تضحية مؤقتة في سبيل الصالح العام، أم مسار يضمن لصاحبه امتيازات مدى الحياة؟ وبين هذا وذاك، يبقى السؤال مفتوحاً في بلد يرفع شعار تكافؤ الفرص، بينما تُكتب بعض قصص الرفاه المضمون من داخل أروقة السلطة نفسها.

أضف تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.