أوكايمدن بين منطق الاستثمار وحقوق الجبل: حين يتحول تدبير مواقف السيارات إلى شرارة جدل مفتوح

الحدث بريس8 يناير 2026
أوكايمدن بين منطق الاستثمار وحقوق الجبل: حين يتحول تدبير مواقف السيارات إلى جدل

أوكايمدن الوجهة الجبلية الأشهر لعشاق الثلوج والسياحة الجبلية بالمغرب، منطقة تشهد حالة من الجدل المتصاعد على خلفية توسع نشاط شركة تدبير مواقف السيارات، وهو توسع يبدو في ظاهره تنظيماً لقطاع يعاني الفوضى، لكنه في عمقه يطرح أسئلة معقدة حول الحكامة، والعدالة المجالية، وحقوق الساكنة المحلية، وحدود الاستثمار في الفضاءات الطبيعية الحساسة.

أوكايمدن: مجال هش وإغراء استثماري دائم

تعد أوكايمدن أكثر من مجرد منتجع للتزلج؛ إنها مجال جبلي له خصوصيات بيئية واجتماعية وثقافية دقيقة. فالمنطقة تعيش على إيقاع موسمي، حيث يتحول الشتاء إلى فرصة اقتصادية نادرة للساكنة، مقابل ركود شبه تام في باقي فصول السنة. هذا الطابع الموسمي جعل من كل نشاط مدر للدخل – مهما بدا بسيطاً – مسألة حيوية بالنسبة للسكان المحليين.

فلطالما شكلت مواقف السيارات، في مثل هذه المناطق السياحية مورداً غير مباشر لعدد من أبناء المنطقة، سواء عبر الحراسة التقليدية أو تنظيم الوقوف بشكل عرفي. غير أن دخول شركة متخصصة في تدبير هذه المواقف، ثم توسع نشاطها بشكل ملحوظ، أعاد خلط الأوراق وأشعل نقاشاً واسعاً.

من التنظيم إلى الاحتكار: أين يبدأ الخلل؟

لا يجادل كثيرون في أن تنظيم مواقف السيارات ضرورة ملحة، خاصة في فترات الذروة التي تعرف اكتظاظاً خانقاً واختناقات مرورية تؤثر سلباً على صورة المنطقة وسلامة الزوار. لكن الإشكال، كما يطرحه المنتقدون، لا يكمن في مبدأ التنظيم، بل في طريقة تنزيله.

فالتوسع السريع لنفوذ شركة واحدة، وسيطرتها على أغلب النقاط الاستراتيجية لركن السيارات. يثير مخاوف من تحول التدبير إلى شكل من أشكال الاحتكار غير المعلن. هذا الوضع يطرح تساؤلات حول طبيعة العقود المبرمة، ومدى إشراك الجماعات المحلية والساكنة في اتخاذ القرار. ثم حدود التسعيرة المفروضة على الزوار في مقابل خدمة يعتبرها البعض «إجبارية».

الساكنة المحلية: الخاسر الأكبر؟

أحد أكثر جوانب الجدل حساسية يتمثل في شعور جزء من الساكنة المحلية بالإقصاء. فبالنسبة لهم، لم يكن تدبير مواقف السيارات مجرد نشاط ثانوي، بل مصدر رزق موسمي يساعد على مواجهة قساوة العيش في الجبل. ومع توسع الشركة، تم إزاحة العديد من هؤلاء دون بدائل واضحة أو إدماج فعلي في المنظومة الجديدة.

هذا الإقصاء، سواء كان مقصودا أو ناتجا عن منطق الربح والنجاعة. يعمق الإحساس بـ«الحكرة المجالية»، حيث يشعر السكان أن ثروات مجالهم – مهما كانت محدودة – تدار من خارجهم، وبمنأى عن حاجياتهم وانتظاراتهم.

الزائر بين جودة الخدمة وارتفاع التكلفة

من جهة أخرى، ينقسم الزوار أنفسهم في تقييمهم للوضع. فهناك من يرى أن التنظيم الجديد وفر وضوحا وأمنا أكبر، وحد من الفوضى والاستغلال العشوائي. في المقابل، يشتكي آخرون من ارتفاع تكلفة الوقوف، ومن غياب بدائل حقيقية، ما يجعلهم أمام خيار واحد مفروض، خاصة في فترات الذروة.

هذا التناقض يبرز غياب تواصل فعال يشرح منطق التدبير. وتفاصيل التسعيرة، ومآل العائدات المالية، وهو غياب يغذي الشكوك ويحول أي إجراء تنظيمي إلى مصدر توتر.

البيئة الغائبة في قلب النقاش

وسط هذا السجال الاقتصادي والاجتماعي، تكاد الأسئلة البيئية تغيب. رغم أن أوكايمدن مجال طبيعي هش. فتوسيع مواقف السيارات، وما يرافقه من ضغط عمراني وزحف إسفلتي، قد تكون له آثار طويلة الأمد على التوازن البيئي للمنطقة. هنا يطرح السؤال الجوهري: هل يخضع هذا التوسع لدراسات أثر بيئي حقيقية؟ أم أن منطق الاستعجال الموسمي يطغى على التفكير الاستراتيجي؟

حكامة محلية أم قرارات فوقية؟

جوهر الجدل يتجاوز شركة بعينها ليصل إلى نموذج الحكامة المعتمد في تدبير المناطق الجبلية. فغياب إشراك فعلي للساكنة، وضعف التواصل المؤسساتي. وغياب رؤية تنموية شمولية، كلها عوامل تجعل أي استثمار – مهما كانت نواياه – عرضة للرفض والاحتقان.

إن تدبير مواقف السيارات يمكن أن يكون مدخلا لتنمية محلية عادلة، إذا ما تم في إطار تشاركي يضمن فرص الشغل لأبناء المنطقة. ويحدد تسعيرة معقولة، ويوجه جزءاً من العائدات لتحسين البنية التحتية والخدمات. لكنه، في المقابل، قد يتحول إلى رمز جديد لاختلال ميزان القوة بين المركز والهامش.

أوكايمدن إلى أين؟

الجدل القائم اليوم فرصة حقيقية لإعادة طرح الأسئلة الصحيحة: أي سياحة نريد لأوكايمدن؟ ومن يستفيد منها؟ وكيف نوازن بين التنظيم والاستثمار من جهة. والعدالة الاجتماعية وحماية المجال من جهة أخرى؟

إن مستقبل أوكايمدن لا يتحدد فقط بعدد مواقف السيارات أو بحجم العائدات، بل بقدرة الفاعلين على بناء ثقة حقيقية مع الساكنة، واحترام خصوصية الجبل، وجعل التنمية وسيلة للإنصاف لا سبباً جديداً للاحتقان.

وفي غياب ذلك، سيظل كل توسع. مهما بدا تقنياً، وقودا لجدل لا ينتهي.

أضف تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.