بدت إيران في تطور لافت، وكأنها تدخل مرحلة جديدة من الانعزال، مع تقارير عن قطع أو تقييد واسع لخدمات الإنترنت والاتصالات، بالتزامن مع تحذيرات مباشرة وصارمة أطلقها المرشد الأعلى تجاه المحتجين. هذه الخطوة، التي تتكرر في لحظات التوتر الكبرى، تعكس إدراكا رسميا بأن المعركة لم تعد في الشارع فقط، بل على الرواية والصورة التي تصل إلى الداخل والخارج.
الإنترنت كساحة صراع
لم يعد الفضاء الرقمي في إيران مجرد وسيلة تواصل، بل تحول إلى أداة تنظيم وتعبئة وكشف. فمن خلاله تنتشر الدعوات للاحتجاج، وتوثق الأحداث، وتكسر الرواية الرسمية. لذلك، فإن قطع الإنترنت يقرأ إخباريًا كإجراء أمني عاجل، لكنه تحليليا محاولة للسيطرة على تدفق المعلومات ومنع تحول الاحتجاجات إلى قضية رأي عام دولي ضاغطة.
لغة التحذير من أعلى الهرم
تحذيرات المرشد الأعلى حملت نبرة حادة، ركزت على مفاهيم “الأمن” و”المؤامرة” و”التدخل الخارجي”. هذه اللغة ليست جديدة، لكنها في هذا التوقيت تعكس قلقا متزايدا من فقدان السيطرة. فحين يصدر التحذير من أعلى سلطة في البلاد، فهذا يعني أن الأزمة تجاوزت المستويات الإدارية والأمنية التقليدية.
الأزمة الاقتصادية كوقود للاحتجاج
لا يمكن فصل ما يجري عن الواقع المعيشي الصعب. ارتفاع الأسعار، تراجع العملة، البطالة، واتساع الفجوة بين الدخول والنفقات، كلها عوامل جعلت الشارع أكثر قابلية للاشتعال. عزل البلاد رقميا يزيد من تعقيد المشهد، إذ تتضرر التجارة والخدمات والأعمال، ما يفاقم الإحساس بأن المواطن يدفع ثمن أزمة سياسية واقتصادية مزدوجة.
الشباب والاختناق الاجتماعي
يشكل الشباب العمود الفقري للاحتجاجات، وهم الفئة الأكثر ارتباطًا بالإنترنت ووسائل التواصل. قطع هذه الوسائل لا يعني إسكاتهم، بل قد يدفعهم إلى أشكال احتجاج أكثر حدة وأقل قابلية للتوقع. اجتماعيا، يعمق ذلك الفجوة بين الدولة وجيل يشعر أصلًا بأن صوته غير مسموع.
العزلة الدولية وتداعياتها
دوليا، يعزز قطع الإنترنت صورة إيران كدولة منغلقة في مواجهة أزماتها الداخلية. هذه الصورة قد تستثمر سياسيًا من خصومها، وتزيد من الضغوط الدبلوماسية والاقتصادية. ففي عالم مفتوح إعلاميا، ينظر إلى العزلة الرقمية كدليل على أزمة ثقة عميقة بين السلطة والمجتمع.
رهان الوقت أم تأجيل الانفجار؟
تحليليا، يبدو أن القيادة الإيرانية تراهن على امتصاص الغضب عبر التضييق المؤقت، ثم إعادة فرض السيطرة. غير أن التجارب السابقة تشير إلى أن هذه الاستراتيجية غالبا ما تؤجل الأزمة ولا تحلها. فالجذور العميقة للاحتجاج—الاقتصادية والسياسية والاجتماعية—تبقى قائمة، وتعود للظهور مع أول شرارة.
في الختام، تقف إيران اليوم أمام اختبار صعب: هل تنجح في تحويل العزلة الرقمية والتحذيرات السياسية إلى أداة احتواء مؤقتة، أم أن هذه السياسات ستعمق الغضب وتفتح الباب أمام مرحلة أكثر اضطرابًا؟ المؤكد أن قطع الاتصال بالعالم قد يُسكت الصوت مؤقتًا، لكنه لا يُنهي الرسالة التي يحملها الشارع.















