يشكل اقتراب شهر رمضان المبارك اختبارا حقيقيا لنجاعة السياسات العمومية المرتبطة بالتموين وضبط الأسعار، بالنظر إلى الارتفاع الملحوظ في الطلب على المواد الاستهلاكية الأساسية. وفي هذا السياق، جاءت تأكيدات وزارة الداخلية بشأن استقرار التموين وتوفر المخزونات الكافية، لتبعث برسائل طمأنة إلى المواطنين، في وقت تتزايد فيه المخاوف المرتبطة بتقلب الأسعار والمضاربة.
اجتماع اليقظة: مقاربة استباقية متعددة المستويات
انعقاد اجتماع اللجنة الوزارية لليقظة وتتبع التموين والأسعار يعكس اعتماد السلطات العمومية لمقاربة استباقية، تقوم على التنسيق بين مختلف المتدخلين، مركزيا وترابيا. فمشاركة ولاة الجهات وعمال العمالات والأقاليم عن بعد تؤشر على وعي بأهمية البعد المحلي في رصد الاختلالات المحتملة داخل مسالك التوزيع، والتدخل السريع لمعالجتها قبل تفاقمها.
المخزونات والإنتاج المرتقب: عناصر طمأنة أساسية
أبرزت وزارة الداخلية أن المخزونات الحالية، إلى جانب الإنتاج الوطني المرتقب، كفيلة بتلبية حاجيات السوق خلال شهر رمضان. ويكتسي هذا المعطى أهمية خاصة، بالنظر إلى أن اختلال التوازن بين العرض والطلب غالباً ما يكون مدخلاً لارتفاع الأسعار. ويعكس هذا التأكيد حرص السلطات على تفادي سيناريوهات الندرة، التي تؤثر بشكل مباشر على القدرة الشرائية للأسر.
التساقطات المطرية: عامل ظرفي داعم للاستقرار
شكلت التساقطات المطرية الأخيرة عاملاً إيجابياً في معادلة التموين، حيث من المرتقب أن تنعكس بشكل مباشر على تحسن الإنتاج الفلاحي والحيواني. هذا المعطى يمنح هامشاً إضافياً من الأريحية للأسواق، خاصة فيما يتعلق بالخضر، والقطاني، واللحوم. غير أن الطابع الظرفي لهذا العامل يفرض، في المقابل، عدم الركون إليه بشكل كامل، بل إدماجه ضمن رؤية أوسع لضمان الأمن الغذائي.
عودة صيد الأسماك السطحية: تعزيز للعرض الوطني
استئناف نشاط صيد الأسماك السطحية يعد بدوره رافعة مهمة لتعزيز العرض الوطني خلال شهر رمضان، الذي يعرف تقليدياً ارتفاعاً في استهلاك هذا النوع من المنتجات. ويظل التحدي الأساسي هو ضمان وصول هذه المنتجات إلى المستهلك بأسعار معقولة، دون أن تتآكل الفائدة بفعل تعدد الوسطاء أو المضاربة.
اليقظة ومراقبة الأسعار: من التوجيه إلى الزجر
رغم المؤشرات الإيجابية، شددت وزارة الداخلية على ضرورة مواصلة اليقظة، من خلال تكثيف المراقبة ومكافحة كل أشكال الاحتكار والمضاربة. وقد تم توجيه تعليمات صارمة للولاة والعمال لتفعيل المساطر الزجرية في حق المخالفين، وهو ما يعكس انتقال الخطاب الرسمي من منطق التحسيس فقط إلى منطق الردع، حمايةً للمستهلك ولنزاهة السوق.
دور المواطن والمهني: شراكة لا غنى عنها
لا تكتمل معادلة الاستقرار دون انخراط فعلي للمواطنين والمهنيين وجمعيات حماية المستهلك. فالدعوة إلى التبليغ عن التجاوزات عبر أرقام اتصال وخلايا مداومة، تؤشر على توجه تشاركي في تدبير هذا الملف. كما أن تبني سلوكيات استهلاكية مسؤولة، وتفادي الشراء المفرط، يظل عاملاً حاسماً في الحفاظ على توازن العرض والطلب.
القدرة الشرائية: هاجس اجتماعي دائم
يبقى الهدف النهائي لهذه الإجراءات هو حماية القدرة الشرائية. خاصة في ظل السياق الاقتصادي الصعب الذي تعيشه فئات واسعة من المجتمع. فرمضان، بما يحمله من بعد اجتماعي وتضامني، يستوجب سياسات عمومية دقيقة توازن بين منطق السوق ومتطلبات العدالة الاجتماعية.
استقرار رهين بالاستمرارية
تعكس تطمينات وزارة الداخلية وجود استعدادات فعلية لضمان تموين الأسواق واستقرار الأسعار خلال شهر رمضان. غير أن نجاح هذه الجهود يظل رهينا بالاستمرارية في المراقبة، والتدخل الحازم ضد المخالفات، والانخراط الجماعي لجميع المتدخلين. فاستقرار الأسواق ليس معطى ظرفيا. بل نتيجة تفاعل دائم بين السياسات العمومية وسلوكيات الفاعلين الاقتصاديين والمستهلكين على حد سواء.















