الدار البيضاء مدينة متعلمة: انضمام استراتيجي إلى شبكة اليونسكو يفتح آفاقاً جديدة للتنمية والابتكار

الحدث بريس12 يناير 2026
الدار البيضاء مدينة متعلمة: انضمام استراتيجي إلى شبكة اليونسكو يفتح آفاقاً جديدة للتنمية والابتكار

في خطوة ذات دلالات تنموية وثقافية عميقة. انضمت مدينة الدار البيضاء رسميا إلى شبكة اليونسكو العالمية لمدن التعلم، لتصبح بذلك جزءا من منظومة دولية تراهن على التعليم مدى الحياة كرافعة أساسية للتنمية البشرية. والتماسك الاجتماعي، والتحول الاقتصادي. ولا يقتصر هذا الانضمام على بعد رمزي فحسب، بل يعكس، في العمق، توجهاً استراتيجيا يروم إعادة تموقع العاصمة الاقتصادية للمملكة في قلب التحولات المعرفية العالمية.

شبكة مدن التعلم: ماذا تعني العضوية؟

في هذا السياق، تضم شبكة اليونسكو العالمية لمدن التعلم مدناً من مختلف القارات. تلتزم، أساساً، بتبني سياسات عمومية تجعل من التعلم المستمر حقاً متاحاً لجميع الفئات العمرية والاجتماعية. وعليه، فإن الانخراط في هذه الشبكة يعني تبادل التجارب. والالتزام بمعايير دولية في مجالات التربية، والتكوين، والثقافة، والإدماج الاجتماعي. فضلا عن ربط التعليم بالتنمية المحلية المستدامة.

وبالنسبة للدار البيضاء، فإن هذه العضوية تضعها ضمن دائرة المدن التي لا تكتفي بالبنيات التحتية الاقتصادية وحدها. بل تراهن كذلك على الرأسمال البشري باعتباره محركاً أساسياً للنمو.

الدار البيضاء وسؤال التعلم مدى الحياة

من جهة أخرى، تواجه الدار البيضاء، باعتبارها أكبر تجمع حضري بالمغرب. جملة من التحديات المتشابكة، من بينها بطالة في صفوف الشباب. وتفاوتات مجالية داخل الأحياء، وإشكالات مرتبطة بالإدماج الاجتماعي. إضافة إلى ضغط متزايد على سوق الشغل. وفي مقابل ذلك، يبرز مفهوم “المدينة المتعلمة” كإجابة استراتيجية. حيث لا يختزل التعلم في المدرسة أو الجامعة فقط، بل يتجاوزهما ليشمل التكوين المهني، والتعلم غير النظامي، والمهارات الرقمية، والثقافة، والتعلم داخل الفضاءات الحضرية.

ومن ثم، فإن انضمام المدينة إلى شبكة اليونسكو يعكس وعيا متزايدا بأن معالجة هذه التحديات تمر حتماً عبر توسيع فرص التعلم وربطها بحاجيات الساكنة ومتطلبات سوق الشغل.

وبالتالي، فإن الدار البيضاء، التي تطمح إلى لعب دور إقليمي وإفريقي متقدم. تجد في نموذج “المدينة المتعلمة” مدخلا استراتيجيا لتعزيز موقعها في اقتصاد المعرفة والابتكار.

آفاق التعاون الدولي وتبادل الخبرات

علاوة على ذلك، يتيح الانضمام إلى شبكة اليونسكو فرصا مهمة للتعاون الدولي. لاسيما من خلال تبادل الخبرات مع مدن رائدة في مجال التعلم. والاستفادة من برامج ومبادرات أممية، والانخراط في مشاريع مشتركة لتجويد الولوج إلى التعليم. فضلاً عن تطوير كفاءات الساكنة استعداداً للتحولات الرقمية والاقتصادية.

غير أن هذا البعد الدولي، رغم أهميته، لن يحقق قيمته المضافة الكاملة إلا إذا تم ربطه بحاجيات المدينة الواقعية، وليس الاكتفاء به كواجهة دبلوماسية أو رمزية.

التحدي الحقيقي: من الالتزام إلى التنزيل

ورغم أهمية هذا الاعتراف من طرف اليونسكو، يبقى التحدي الأكبر هو التنزيل العملي لمفهوم “المدينة المتعلمة”. فالنجاح، في نهاية المطاف، لن يُقاس بالانضمام في حد ذاته، بل بمدى انعكاسه الفعلي على حياة المواطنين: هل ستتحسن فرص التكوين؟ هل سيشعر الشباب والنساء والفئات الهشة بأن المعرفة أصبحت في متناولهم؟ وهل ستنجح المدينة في تقليص الفوارق داخل نسيجها الحضري؟

الدار البيضاء أمام اختبار المدينة المتعلمة

وخلاصة القول، فإن انضمام الدار البيضاء إلى شبكة اليونسكو العالمية لمدن التعلم يشكل خطوة مهمة نحو إعادة تعريف دورها كمدينة لا تنتج الثروة فقط، بل تنتج المعرفة والفرص أيضاً. غير أن هذا الطموح يظل رهيناً بقدرة الجماعة على تعبئة الشركاء، وتوحيد الرؤية، وتحويل الالتزامات الدولية إلى سياسات محلية ملموسة.

إنها، بلا شك، بداية مسار واعد، لكنها في الوقت ذاته اختبار حقيقي لمدى استعداد المدينة للانتقال من منطق التدبير التقليدي إلى أفق المدينة المتعلمة، الدامجة، والمتطلعة إلى المستقبل.

أضف تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.