لم يكن الحلم وليد اللحظة، ولا مجرد طموح عابر ارتبط بحدث أو ظرف سياسي أو رياضي، بل كان مشروعًا ممتدًا في الوعي الجماعي المغربي منذ أزيد من نصف قرن. خمسون سنة من الانتظار، من التراكمات، من الوعود المتكررة، ومن الرهانات المؤجلة، لتنتهي مرة أخرى بخيبة أمل جديدة تُضاف إلى سجل طويل من الإخفاقات المؤلمة. فالمغرب، ورغم كل التحولات التي عرفها، ورغم ما راكمه من استقرار سياسي نسبي وإصلاحات مؤسساتية وبنيات تحتية متقدمة مقارنة بجواره الإقليمي، أخفق مجددًا في تحقيق حلم ظل يتردد على ألسنة أجيال متعاقبة.
وللإشارة، فإن هذا الإخفاق لا يمكن اختزاله في نتيجة ظرفية أو قرار خارجي معزول، بل هو نتيجة مسار معقد تتداخل فيه اختيارات استراتيجية، وحدود التدبير الداخلي، وطبيعة التعاطي مع الملفات الكبرى بعقلية يغلب عليها أحيانًا منطق التسويق أكثر من منطق البناء العميق. إلى ذلك، فإن تكرار الفشل يطرح سؤالًا مركزيًا: هل المشكل في الحلم نفسه، أم في الطريقة التي نُديره بها؟
حلم طويل… وسياقات متغيرة
منذ سبعينيات القرن الماضي، ظل المغرب يراهن على تحقيق حلم استراتيجي كبير، اعتُبر في المخيال الجماعي مدخلًا للاعتراف الدولي، ورافعة للتنمية، وفرصة لتكريس موقعه كقوة إقليمية صاعدة. وقد تغيّرت السياقات السياسية والاقتصادية الدولية، وتبدّلت موازين القوى، وتعاقبت حكومات ومشاريع وخطابات، غير أن النتيجة ظلت واحدة: الاقتراب ثم السقوط في اللحظة الحاسمة.
ويبدو أن المشكلة لا تكمن فقط في قوة المنافسين أو تعقيد الشروط الدولية، بل في غياب مراجعة جريئة للمقاربات المعتمدة. حيث إن المغرب غالبًا ما تعامل مع هذا الحلم بمنطق “الفرصة القادمة”، دون أن يُخضع التجارب السابقة لنقد حقيقي ومسؤول. وقد أدى هذا إلى إعادة إنتاج نفس الأخطاء، مع تغييرات شكلية في الخطاب لا تمس جوهر الإشكال.
بين الطموح المشروع وسوء التدبير
لا أحد يمكنه أن يُنكر مشروعية الحلم المغربي، ولا حجم الجهود التي بُذلت على مستويات متعددة. فقد استثمرت الدولة موارد مالية ضخمة، وعملت على تحسين صورتها الخارجية، وقدّمت نفسها كنموذج للاستقرار والانفتاح في منطقة مضطربة. غير أن الطموح، مهما كان مشروعًا، لا يكفي وحده لتحقيق النتائج.
وتجدر الإشارة إلى أن أحد أعطاب هذا المسار يتمثل في ضعف التنسيق بين مختلف المتدخلين، وغياب رؤية وطنية جامعة تتجاوز الحسابات القطاعية والظرفية. ناهيك عن هيمنة منطق الإنجاز السريع والبحث عن “الضربة الإعلامية”، على حساب العمل التراكمي الهادئ الذي يُراكم الثقة ويُقنع الشركاء قبل الخصوم.
الخطاب الرسمي… بين التفاؤل المفرط والواقع العنيد
في كل محطة، كان الخطاب الرسمي يُغرق الرأي العام في جرعات عالية من التفاؤل. عناوين كبرى، تسريبات إيجابية، ورسائل توحي بأن “هذه المرة مختلفة”. غير أن الواقع كان، في كل مرة، أكثر قسوة. وهو ما أدى إلى اتساع فجوة الثقة بين المواطن والخطاب المؤسساتي، حيث باتت فئات واسعة تستقبل أي إعلان جديد بكثير من الشك والاحتراز.
وقد أفرز هذا الوضع نوعًا من الإنهاك النفسي الجماعي، إذ لم يعد الفشل يُستقبل بالصدمة، بل بنوع من التعايش السلبي، وكأن الإخفاق أصبح قدرًا لا مفر منه. إلى ذلك، فإن هذا الإحباط المتراكم يُضعف قدرة المجتمع على التعبئة خلف المشاريع الكبرى، ويُفرغ الطموح الوطني من محتواه الرمزي.
هل أخفقنا في قراءة العالم؟
من بين الأسئلة الجوهرية التي يفرضها هذا الإخفاق المتكرر: هل نجح المغرب فعلًا في قراءة التحولات العميقة التي يعرفها العالم؟ فالنظام الدولي لم يعد يُدار فقط بمنطق الملفات التقنية، بل بمنطق المصالح المعقدة، والتحالفات غير المعلنة، والرهانات الجيوسياسية المتشابكة.
حيث إن الرهان على “الملف القوي” وحده لم يعد كافيًا، في عالم تُحسم فيه القرارات في كواليس السياسة والاقتصاد والنفوذ. ويبدو أن المغرب، في بعض المحطات، بالغ في تقدير قوة منطقه، وقلّل من تأثير حسابات لا علاقة لها مباشرة بجودة المشاريع أو عدالة المطالب.
المسؤولية مشتركة… ولكن
من السهل تحميل المسؤولية للجهات الخارجية، أو للظروف الدولية، أو حتى لـ”المؤامرات”. غير أن النقد الجاد يقتضي الاعتراف بأن جزءًا من الإخفاق مسؤولية داخلية خالصة. مسؤولية تتقاسمها النخب السياسية، والإدارية، والإعلامية، وحتى الأكاديمية.
فقد ظل النقاش العمومي، في كثير من الأحيان، أسير التهليل أو التبخيس، دون بناء نقاش عقلاني هادئ يُشخّص الأعطاب ويقترح البدائل. إلى ذلك، فإن غياب المحاسبة الرمزية بعد كل إخفاق، جعل الفشل يمر دون دروس واضحة، ودون مساءلة حقيقية للخيارات المتبعة.
ما بعد الفشل… أي أفق؟
اليوم، وبعد إخفاق جديد في تحقيق حلم دام 50 سنة، يقف المغرب مرة أخرى أمام مفترق طرق. فإما الاستمرار في نفس النهج، وانتظار فرصة أخرى تُدار بنفس الأدوات، أو فتح ورش مراجعة شاملة، شجاعة، ومؤلمة أحيانًا، لكنها ضرورية.
وللإشارة، فإن المراجعة لا تعني التخلي عن الحلم، بل تعني إعادة تعريفه، وربما إعادة ترتيب الأولويات. فالقوة الحقيقية لأي دولة لا تُقاس فقط بقدرتها على الفوز بملفات كبرى، بل بقدرتها على تحويل الإخفاق إلى درس، وإلى فرصة لإعادة البناء على أسس أكثر صلابة.
الحلم لا يموت… لكن الطريق يجب أن يتغير
في النهاية، لا يمكن لحلم دام نصف قرن أن يموت بقرار أو نتيجة. غير أن الإصرار على السير في نفس الطريق، مع توقع نتائج مختلفة، هو نوع من الوهم الجماعي. وقد آن الأوان للاعتراف بأن المشكلة ليست في الحلم، بل في طريقة إدارته، وفي غياب الجرأة على مساءلة الذات قبل مساءلة الآخرين.
ويبدو أن المغرب، إذا أراد فعلًا أن يُحوّل أحلامه الكبرى إلى واقع، مطالب اليوم بأكثر من الشعارات والرهانات الظرفية. إنه مطالب بإعادة بناء الثقة، وتطوير أدواته، وامتلاك شجاعة النقد الذاتي، لأن التاريخ لا يرحم الدول التي تُكرر أخطاءها، مهما كانت نواياها حسنة.














