بين شبح الحرب ونوافذ الحوار: إيران على حافة أخطر مفترق طرق منذ ثورة 1979

الحدث بريس12 يناير 2026
بين شبح الحرب ونوافذ الحوار: إيران على حافة أخطر مفترق طرق منذ ثورة 1979

في لحظة سياسية شديدة الحساسية، تجد إيران نفسها محاصرة من الداخل والخارج معا. فمن جهة، تهزها احتجاجات غير مسبوقة في اتساعها وحدّتها، ومن جهة أخرى تواجه تصعيدًا أمريكيا متدرجا لا يستبعد الخيار العسكري. وبين هذا وذاك، تحاول طهران الإمساك بالعصا من الوسط: استعداد للحرب… واستعداد للحوار.

احتجاجات الداخل: الشرخ الأخطر

الاحتجاجات الحاشدة التي اجتاحت مدنا إيرانية عدة لم تعد مجرد تعبير عابر عن الغضب الشعبي، بل تحولت إلى تحدٍ وجودي للنظام القائم منذ الثورة الإسلامية عام 1979. ارتفاع عدد القتلى إلى أكثر من 500 شخص يعكس حجم العنف المستخدم، لكنه في الوقت نفسه يكشف عمق الأزمة.
هذه الاحتجاجات مختلفة عن سابقاتها؛ فهي أكثر انتشارا جغرافيا، وأوسع اجتماعيا، وأجرأ سياسيا. لم تعد المطالب تقتصر على تحسين الأوضاع المعيشية، بل باتت تمس جوهر شرعية الحكم الديني نفسه.

واشنطن تراقب… وتضغط

في واشنطن، لا تبدو الأحداث شأنا داخليا إيرانيا فحسب. الرئيس الأمريكي دونالد ترامب صرّح بأنه يدرس خيارات متعددة للرد على حملة القمع، من بينها العمل العسكري، وهو تصريح يحمل رسائل ردع أكثر مما يعكس قرارا وشيكا بالحرب.
ترامب كشف أيضا عن اتصالات مع المعارضة الإيرانية واحتمال عقد لقاءات مع مسؤولين إيرانيين، في إشارة واضحة إلى استراتيجية “العصا والجزرة”: تصعيد الخطاب والضغط من جهة، وترك باب التفاوض مواربا من جهة أخرى.

طهران: لغة مزدوجة بحسابات دقيقة

اللافت أن الرد الإيراني لم يأتِ بنبرة تصعيدية خالصة. بل أكدت طهران أنها تبقي قنوات الاتصال مفتوحة مع الولايات المتحدة، في موقف يعكس إدراكها لحساسية المرحلة.
هذا الخطاب المزدوج ليس جديدا على الدبلوماسية الإيرانية، لكنه اليوم أكثر تعقيدا. فإيران تريد أن تظهر قوية وغير خاضعة للتهديد، لكنها في الوقت ذاته تدرك أن أي مواجهة عسكرية مباشرة مع الولايات المتحدة قد تكون كارثية، خصوصًا في ظل وضع داخلي هش.

هل الخيار العسكري واقعي؟

رغم التلويح الأمريكي، يبقى العمل العسكري خيارًا عالي الكلفة لجميع الأطراف. الولايات المتحدة تعلم أن ضربة عسكرية قد توحد الداخل الإيراني خلف القيادة بدل إضعافها، وقد تشعل المنطقة بأكملها.
في المقابل، فإن استمرار القمع دون أفق سياسي قد يفاقم العزلة الدولية لإيران ويمنح واشنطن وحلفاءها مبررات أقوى للتصعيد.

سيناريوهات المرحلة المقبلة

احتواء داخلي وتصعيد خارجي محدود: نجاح النظام في كبح الاحتجاجات مع استمرار الضغوط الأمريكية دون حرب.

تسوية سياسية غير معلنة: حوار خلف الكواليس يخفف التوتر مقابل تنازلات محدودة.

انفجار مزدوج: تصعيد داخلي يتزامن مع مواجهة خارجية، وهو السيناريو الأخطر والأقل قابلية للسيطرة.

إيران اليوم عند أخطر منعطف سياسي منذ أكثر من أربعة عقود. الاحتجاجات تهدد تماسك الداخل، والضغوط الأمريكية تضيق الخناق من الخارج. وبين التهديد بالحرب والدعوة للحوار، يتحدد مستقبل الجمهورية الإسلامية، ليس فقط في علاقتها مع واشنطن، بل في علاقتها مع شعبها أولًا.

الأسابيع المقبلة قد لا تحدد فقط مصير أزمة، بل ترسم ملامح مرحلة تاريخية جديدة في الشرق الأوسط.

أضف تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.