أودى انهيار ثلجي، صباح اليوم الأحد، بجبل توبقال بحياة مرشد جبلي وسائحين قدما من مدينة الدار البيضاء. ليتحول جبل توبقال، أعلى قمة في شمال إفريقيا، من وجهة سياحية حالمة إلى مسرح لمأساة إنسانية أليمة، ويعيد هذا الحادث إلى الواجهة أسئلة عميقة حول سلامة السياحة الجبلية، وحدود المغامرة، ومسؤولية التنظيم والإنذار المبكر في البيئات الطبيعية القاسية.
الطبيعة حين تنقلب على روّادها
ويعرف جبل توبقال بجاذبيته الكبيرة لعشاق التسلق والمغامرة، غير أن هذه الجاذبية تخفي وجها آخر للطبيعة، أكثر قسوة وأقل رحمة. فالانهيارات الثلجية ليست ظاهرة نادرة في المرتفعات العالية، خاصة خلال فترات التقلبات المناخية وارتفاع كميات التساقطات. وما وقع بين منطقتي “الروفيج” وشمهروش يبرز هشاشة التوازن بين الإنسان والطبيعة حين يتم تجاهل عامل المخاطر.
السياحة الجبلية بين الشغف والمخاطرة
وتحولت السياحة الجبلية في السنوات الأخيرة إلى نشاط متزايد الإقبال، سواء من السياح المغاربة أو الأجانب، مدفوعة بالرغبة في كسر الروتين وخوض تجارب استثنائية. غير أن هذا الشغف بالمغامرة غالبا ما يصطدم بواقع قاس، حيث لا تكفي اللياقة البدنية أو الخبرة المحدودة لتفادي الأخطار الطبيعية المتغيرة، خصوصاً في الجبال المغطاة بالثلوج.
دور المرشدين وحدود المسؤولية
وينظر إلى المرشد الجبلي باعتباره حلقة الأمان الأساسية في مثل هذه الرحلات، غير أن الحادث المأساوي الذي أودى بحياة مرشد نفسه يطرح تساؤلات حول حدود المسؤولية البشرية أمام قوة الطبيعة. فحتى الخبرة الطويلة قد تعجز أحياناً عن التنبؤ بانهيار ثلجي مفاجئ، ما يسلط الضوء على ضرورة دعم المرشدين بوسائل إنذار علمية دقيقة، بدل تحميلهم وحدهم عبء السلامة.
الإنذار المبكر… حلقة مفقودة؟
وتكشف هذه الحادثة عن إشكالية غياب أو ضعف أنظمة الإنذار المبكر الخاصة بالانهيارات الثلجية في المناطق الجبلية. ففي العديد من الدول الجبلية. يتم إغلاق المسارات الخطرة مؤقتا بناء على معطيات جوية دقيقة. أما في السياق المحلي. فلا يزال الاعتماد كبيرا على التقدير البشري والخبرة الميدانية، وهو ما قد لا يكون كافيا في ظروف مناخية متقلبة.
عمليات الإنقاذ في سباق مع الطبيعة
وأبرزت عملية البحث عن الضحايا، التي جرت في ظروف مناخية صعبة. حجم التحديات التي تواجه فرق الإنقاذ في المناطق الجبلية الوعرة. فالتضاريس القاسية والطقس المتقلب يؤخران التدخل أحيانا، ما يستدعي تعزيز الإمكانيات اللوجستية والتقنية لفرق الإنقاذ، وتطوير خطط استجابة أسرع لمثل هذه الحوادث.
البعد الإنساني للمأساة
وتبقى الخسارة الإنسانية، بعيدا عن الأرقام والتحليلات، هي الأثقل. فالحادث لم يحصد أرواحا فقط، بل خلف صدمة عميقة لدى عائلات الضحايا، وأعاد إلى الواجهة هشاشة الحياة أمام قوى الطبيعة. كما أنه يترك أثرا نفسيا على المرشدين والعاملين في القطاع، الذين يواصلون عملهم بين الشغف والخوف.
نحو سياحة جبلية أكثر أمانا
وتفرض هذه المأساة ضرورة إعادة التفكير في نموذج السياحة الجبلية بالمغرب. من خلال تشديد المراقبة خلال الفترات الخطرة، وتكثيف حملات التوعية. واعتماد خرائط مخاطر محدثة. وربط الترخيص للرحلات الجبلية بالتوقعات الجوية الدقيقة. فالمغامرة يجب ألا تكون مرادفا للمجازفة بالحياة.
خلاصة المأساة والدروس المستفادة
ويعتبر انهيار توبقال اليوم جرس إنذار حقيقي يدعو إلى مراجعة شاملة لمقاربة السلامة في الجبال. فبين جمال الطبيعة وخطرها الخفي، تظل حياة الإنسان هي الثمن الأغلى، ما يفرض الانتقال من منطق رد الفعل إلى منطق الوقاية، حتى لا تتحول قمم الأطلس من فضاء للمغامرة إلى عنوان متكرر للفواجع.















