حين تتحول مشرحة البيضاء إلى مرآة للأزمة الصحية: أكثر من 23 تشريحا يوميا وأطباء على حافة الإنهاك

الحدث بريس12 يناير 2026
حين تتحول مشرحة البيضاء إلى مرآة للأزمة الصحية: أكثر من 23 تشريحا يوميا وأطباء على حافة الإنهاك

لم تعد قاعات التشريح في مشرحة الدار البيضاء مجرد فضاءات طبية صامتة،.بل أصبحت شاهدا يوميا على تصاعد مقلق في عدد الوفيات، خصوصا في صفوف المسنين والمرضى المزمنين. رقم يفوق 23 تشريحا في اليوم ليس مجرد معطى إحصائي. بل مؤشر عميق على اختلالات بنيوية في المنظومة الصحية والاجتماعية. وعلى معاناة مضاعفة يعيشها أطباء التشريح في صمت.

ضغط متزايد وجثث أكثر… من المسؤول؟ 

الارتفاع المتواصل في عدد الجثث الوافدة على مصالح الطب الشرعي يعكس تراكما لعوامل متعددة: شيخوخة سكانية متسارعة، انتشار الأمراض المزمنة، هشاشة المتابعة الطبية، إضافة إلى تأخر الولوج إلى العلاجات في بعض الحالات. هذه العوامل تجعل من الوفاة نتيجة متوقعة لمسار طويل من الإهمال الصحي غير المقصود. لكنها في النهاية تلقى بثقلها على أكتاف أطباء التشريح.

أطباء التشريح: بين الواجب الطبي والإنهاك النفسي

العمل اليومي وسط هذا الكم من الجثث، خاصة لجثامين مسنين ومرضى، لا يترك أثره على الجسد فقط، بل ينهك النفس أيضا. فأطباء التشريح لا يواجهون الموت كحالة طبية مجردة، بل كقصة إنسانية متكررة، غالبا ما تنتهي بأسئلة مؤلمة حول ظروف الوفاة، وجودة الرعاية، ومسؤولية المؤسسات.

ورغم حساسية مهامهم ودقتها، يشتغل كثير من هؤلاء الأطباء في ظروف تفتقر إلى الموارد الكافية، سواء من حيث التجهيزات أو الموارد البشرية، ما يحول ضغط العمل إلى عبء نفسي مستمر قد يؤثر على جودة الأداء وعلى صحتهم هم أنفسهم.

تشريح الجثث… تشريح للمنظومة

ارتفاع عدد التشريحات اليومية ليس أزمة طب شرعي فقط، بل تشريح غير معلن للمنظومة الصحية ككل. فكل جثة تحمل معها سؤالاً: هل كان بالإمكان إنقاذ هذا الشخص؟ هل تأخر التشخيص؟ هل غابت الرعاية؟ وهل يحصل المسنون والمرضى المزمنون على ما يكفي من الاهتمام قبل أن يصلوا إلى مشرحة المستشفى؟

نحو مقاربة شمولية بدل الحلول الترقيعية

التخفيف من الضغط على مصالح الطب الشرعي لا يمر فقط عبر تحسين ظروف عمل أطباء التشريح، رغم أن ذلك ضرورة ملحة، بل يتطلب أيضاً سياسات وقائية واضحة: تعزيز طب القرب، تحسين تتبع المسنين، دعم الطب الوقائي، وإعادة الاعتبار للصحة العمومية كأولوية لا كشعار.

ما يحدث في مشرحة الدار البيضاء ليس حدثا معزولا، بل إنذار صامت. أكثر من 23 تشريحا في اليوم يعني أن الموت يسبق العلاج في حالات كثيرة، وأن أطباء التشريح يدفعون ثمن اختلالات لم يكونوا سببا فيها. وبين الجثث المتراكمة والضغط النفسي المتصاعد، يظل السؤال معلقا: متى نلتفت إلى الأحياء قبل أن يصبحوا أرقاما على طاولة التشريح؟

أضف تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.