لم يكن غياب الطموح أبدا هو الإشكال في المغرب، بل في الطريقة التي يعاد تعريفه بها رسميًا لدى الحكومات المتعاقبة. فالقضية ليست مرتبطة بإكراهات ظرفية أو أزمات عابرة، بل هي أقرب إلى نمط سياسي تتبناه الحكومة، يقوم على إدارة التوقعات بدل توسيعها، وعلى خفض سقف المطالب بدل الارتقاء بالسياسات.
وأصبح الخطاب الحكومي، في السنوات الأخيرة، أكثر حرصًا على إقناع المواطنين بأن “المرحلة صعبة”، وأن “الإمكانات محدودة”، وأن “الواقعية تقتضي الاكتفاء بالممكن”. غير أن هذا الممكن، الذي يقدَّم كحل عقلاني، يتحول تدريجيًا إلى أفق نهائي، وإلى ثقافة عامة مفادها أن القليل ليس فقط ما هو متاح، بل ما ينبغي الرضا به.
من السياسة إلى تدبير القبول
ما نعيشه اليوم ليس مجرد ضعف في السياسات العمومية، بل تحوّل في منطق التدبير الحكومي نفسه. فبدل التنافس حول مشاريع مجتمعية كبرى، أصبح الهمّ الأساسي هو منع الانفجار الاجتماعي بأدوات تقنية: دعم ظرفي، برامج جزئية، وحلول إسعافية تقدَّم على أنها إنجازات.
وتتحول الحكومة في هذا السياق، من فاعل سياسي يفترض أن يرفع سقف التطلعات، إلى جهاز تدبيري يشتغل على تكييف المجتمع مع الهشاشة. يتم الحديث عن “الصمود” أكثر من الحديث عن الحقوق، وعن “التحمّل” أكثر من الحديث عن العدالة، وكأن المواطن مطالب بأن يتأقلم لا أن يطالب بحقوقه.
ثقافة القليل كسياسة غير معلنة
ورغم أن ثقافة الحد الأدنى لا تظهر في الوثائق الرسمية، إلا أنها تتجلى بوضوح في الممارسة. يكفي تأمل طريقة التعامل مع ملفات التعليم، والصحة، والتشغيل، لنلاحظ أن الطموح لم يعد هو تحسين الجودة أو تقليص الفوارق، بل تفادي الأسوأ.
في التعليم، لم يعد النقاش حول مدرسة عمومية منتجة للمعرفة والمواطنة، بل حول كيفية احتواء أزماتها بأقل تكلفة سياسية. في الصحة، يُطلب من المواطن أن يعتبر الولوج المحدود إنجازًا، لا حقًا. وفي التشغيل، يُقدَّم العمل الهش كحل واقعي، بدل مساءلة النموذج الاقتصادي الذي يُنتجه.
هذا المنطق لا يعكس فقط ضعفًا في الموارد، بل غياب إرادة سياسية لفتح نقاش حقيقي حول الخيارات الكبرى. فخفض سقف الطموح أسهل من مواجهة الأسئلة الصعبة المتعلقة بتوزيع الثروة، والعدالة الجبائية، وأولويات الإنفاق العمومي.
إعادة تشكيل الوعي الجماعي
الأخطر في ثقافة القليل ليس آثارها المادية فقط، بل تأثيرها العميق على الوعي الجماعي. حين يكرر الخطاب الحكومي أن “الظروف لا تسمح”، وأن “المطالب يجب أن تكون معقولة”، يتم تدريجيًا نزع الشرعية عن أي طموح يتجاوز الحد الأدنى.
وهكذا، يصبح الاحتجاج تهديدًا للاستقرار، والمطالبة بالجودة نوعًا من عدم الواقعية، بينما يكافأ الصمت والتكيّف باعتبارهما سلوكًا ناضجًا. إنها عملية ناعمة لإنتاج القبول، لا تقوم على القمع، بل على إقناع المجتمع بأن سقفه الطبيعي منخفض.
الحكومة وإدارة الزمن القصير
جزء كبير من هذا الوضع مرتبط بمنطق السياسات قصيرة النفس. فالحكومة الحالية، كما سابقاتها، تشتغل بمنطق تدبير الولاية لا بمنطق بناء المسار. يتم التركيز على ما يمكن تسويقه سريعًا، لا على ما يتطلب وقتًا وصراعًا سياسيًا.
في هذا الإطار، يصبح الحديث عن الطموح الكبير عبئًا، لأنه يفتح باب المساءلة. لذلك يُفضَّل خطاب “الإنجاز الممكن” على خطاب “التغيير الضروري”. غير أن هذا الاختيار له كلفة بعيدة المدى: تآكل الثقة، وتراجع الإيمان بالفعل السياسي، وتوسّع الفجوة بين الحكومة والمجتمع.
من يربح من خفض السقف؟
ثقافة الحد الأدنى لا تخدم في الواقع أحدا. فهي تخدم من لا يرغب في تغيير قواعد اللعبة، ومن يستفيد من استمرار الاختلالات. فالمجتمع الذي يقنع نفسه بأن القليل يكفي، لن يطالب بإصلاحات جذرية، ولن يضغط من أجل إعادة الأمور إلى سكتها العادية.
أما الخاسر الأكبر، فهي الأجيال الجديدة، التي تجد نفسها محاصرة بأفق منخفض، وبخطاب يطالبها بالصبر دون أن يمنحها أفقًا واضحًا. هنا يتحول الطموح الفردي إلى مشروع هجرة، أو انسحاب، أو لامبالاة.
استعادة الطموح كضرورة سياسية
لا يمكن بأي حال من الأحوال اعتبار نقد ثقافة الحد الأدنى دعوة إلى الشعبوية أو الوعود الفارغة، لأنها في عمقها دعوة لإعادة السياسة إلى معناها الأصلي: اختيار، وصراع، وتحديد أولويات. الطموح ليس خطابًا شاعريًا، بل بوصلة تُحدّد اتجاه السياسات.
ما يحتاجه المغرب اليوم ليس إدارة أفضل للقليل، بل لنقاش صريح حول لماذا أصبح القليل هو السقف، ومن المسؤول عن ذلك، وكيف يمكن إعادة فتح أفق الممكن دون أوهام.
فحين يصبح القليل كافيًا رسميًا، لا نكون أمام واقعية سياسية، بل أمام تنازل غير معلن عن فكرة التقدم. فالدول لا تتعثر فقط بسبب قلة الموارد، بل بسبب انخفاض الطموح. وإذا استمرت السياسات الحكومية في إدارة المجتمع بسقف منخفض، فإن الثمن لن يكون فقط اقتصاديًا أو اجتماعيًا، بل ثمنًا رمزيًا يمسّ ثقة الناس في المستقبل نفسه.
السؤال الذي ينبغي طرحه اليوم ليس: كيف نتأقلم مع القليل؟ بل: من قرر أن يكون القليل هو أقصى ما نستحقه؟













