​من قصص الواقع.. لعنة “المقدّة” وليل الحكّار الطويل

الحدث بريس16 يناير 2026
سلا.. لعنة "المقدّة" وليل الحكّار الطويل

​لم تكن مدينة سلا المغربية تنام في ذلك العام من سنة 2013 على وقع هدير البحر فحسب، بل على وقع قصص تهمس في المقاهي الشعبية المكتظة بدخان الشيشة وأبخرة الشاي المنعنع. وفي زاوية منسية من حي “الأمل”، كان هناك اسم يثير الانقباض في النفوس بمجرد ذكره: “المختار”.

​كان المختار رجلاً في الخامسة والأربعين، بجسد ضخم رغم ذبوله، وبيد يمنى مشلولة جزئياً كانت تتدلى بجانبه كغصن يابس، أثر حادث قديم في الميناء يقول البعض إنه كان ثمن غدر، ويقول آخرون إنه كان “دعوة مظلوم”. لم تكن تلك العاهة لتثير الشفقة، بل كانت تزيد من حدة ملامحه القاسية وعينيه اللتين تشبهان عيني صقر جائع.

​كان المختار “حكّاراً” بمرتبة الشرف. اتخذ من عتبة منزله في الطابق السفلي عرشاً من القهر. هناك، كان يجلس بقميصه الرث، ممسكاً بلفافة “السبسي” الطويلة، ينفث دخانها الكثيف كأنه يرسم حدود مملكته الصغيرة. لم يكن يمر عابر إلا وينال نصيبه من لسانه السليط، ولم تكن امرأة تجرؤ على رفع عينها وهي تمر بجانبه، خوفاً من كلمة نابية أو نظرة تخترق الحياء.

النقطة التي أفاضت الكأس

​في صباح يوم ثلاثاء كئيب، كانت “خديجة”، جارة المختار التي عرفت بصبرها وتقواها، تقوم بتنظيف درج العمارة. كانت مياه التنظيف تنساب بهدوء، لكن يد القدر جعلت بضع قطرات تتطاير لتصيب طرف جلباب المختار الذي كان يراقب المارة بخموله المعتاد.

​استحال الخمول بركاناً في ثانية واحدة. انتفض المختار، واحمرت عيناه، وصرخ صرخة هزت أركان الزقاق:

“يا بنت (…)، هل عميتِ؟ أتغسلين قذارتكِ فوق رأسي؟”

​حاولت خديجة، وهي ترتعد، أن تعتذر: “والله يا أخي المختار لم أقصد، إنه مجرد ماء نظيف.. والدرج يحتاج لتنظيف”.

لكن المختار، الذي كان يبحث عن ضحية يفرغ فيها كبته، لم ينتظر. تقدم نحوها بخطوات ثقيلة، وبيده القوية الوحيدة دفعها دفعة عنيفة جعلتها تتدحرج على الدرج الرخامي لتسقط في الأسفل مغشياً عليها، وسط صرخات الجيران الذين أطلوا من النوافذ.

​هنا، انكسر حاجز الخوف. خرج زوجها “إدريس” كالمجنون، ورأى زوجته ملقاة كعصفور مبلل. لم يدخل في شجار عقيم مع المختار، بل أخرج هاتفه والشرر يتطاير من عينيه، واتصل بالشرطة: “اليوم، إما القانون أو شريعة الغاب”.

​الاختفاء الغامض

​عندما وصلت سيارة الشرطة، كان المختار قد اختفى. ظن الجميع أنه هرب لبيت أحد أقاربه كما يفعل دائماً عندما “يتحامى” عليه الجيران. لكن هذه المرة، كانت زوجته “زهرة” هي من تقف في الوسط، تلطم خديها وتترجى الجيران ألا يصعدوا الموقف: “إنه مريض، الأعصاب تسيطر عليه.. سيعود ويعتذر”.

​لكن الليل أسدل ستاره ولم يعد المختار. مر يوم كامل، ثم يومان، والحي يتنفس الصعداء لأول مرة منذ سنوات. لكن “زهرة” بدأت تشعر ببرودة تسري في أوصالها. هاتف المختار مغلق، وأصدقاؤه في المرسى لم يروه منذ ذلك الصباح المشؤوم.

​في اليوم الثالث، بدأ الغموض يكتسي طابعاً مخيفاً. انتشرت شائعات في الحي: “لقد قتله إدريس وانتقم لزوجته”، “هرب إلى الجبال”، “اختطفته عصابة”. كانت الأجواء مشحونة، والجميع ينتظر خبراً يكسر صمت السكون.

​رائحة الموت في “الخلاء

​على بعد عشرين كيلومتراً من صخب المدينة، حيث تمتد حقول القمح والشعير التي بدأت تذبل بانتظار الحصاد، كان هناك مكان يسمى “الخربة السوداء”. مكان معزول عن أعين البشر، لا يزوره إلا الرعاة أو من لديهم أعمال مشبوهة.

​في ذلك الصباح، كان “الجيلالي”، وهو عامل زراعي مسن، يقود قطيعه الصغير بجانب خندق قديم كان يستخدم لتجميع مياه الأمطار. فجأة، بدأت الكلاب تنبح بشكل هستيري، وبدأت أسراب من الغربان تحوم فوق الخندق في رقصة جنائزية.

​اقترب الجيلالي، وهو يكمم أنفه من رائحة الموت التي كانت تزكم الأنوف. عندما ألقى بنظره داخل الحفرة، سقطت عصاه من يده. كان هناك جسد بشري ملقى في وضعية غريبة، الثياب ممزقة وملطخة بالطين والدماء الجافة، والوجه كان قد بدأ يفقد ملامحه بفعل الشمس والهوام.

​عندما وصلت فرقة الدرك الملكي، كان المشهد يوحي بجريمة كراهية لا مثيل لها. الرأس كان به شق عميق يبدو أنه ناتج عن آلة حادة وثقيلة، والعنق كان يحمل آثار ذبح غير مكتمل. لم يعثروا في جيوبه على شيء؛ لا محفظة، لا هاتف، ولا حتى مفاتيح. جثة مجهولة الهوية في خلاء موحش.

لغز “السيارة السوداء

​نقلت الجثة إلى المشرحة، وبدأت الأنباء تتسرب. عندما سمعت “زهرة” بالوصف، ذهبت وهي تترنح. في المستشفى، وبمجرد أن رأت تلك اليد المشلولة بوضعية الانقباض التي ماتت عليها، صرخت صرخة شقت صمت الرواق: “هذا هو المختار.. قتلوا زوجي!”.

​عادت الشكوك فوراً إلى “إدريس”، زوج الجارة المعتدى عليها. تم استدعاؤه للتحقيق، لكن الصدمة كانت أن إدريس لديه “دليل غياب” لا يقبل الشك؛ ففي الوقت الذي قدر فيه وقت الوفاة، كان إدريس داخل مقر الدائرة الأمنية يسجل محضره، ثم قضى الليلة في المستشفى بجوار زوجته المصابة.

​إذاً، من هو القاتل؟

بدأ المحقق “كمال”، وهو ضابط مخضرم في الدرك، يبحث في آخر ساعات المختار. استجوب العشرات، حتى وصل إلى شاب ملقب بـ “الجن”، كان يرافق المختار في جلسات تدخين الكيف.

قال الجن بصوت يرتجف: “سيدي الضابط، المختار كان هائجاً ذلك المساء. كان يحتاج لتهدئة أعصابه وذهب ليبحث عن (الخوت) في طريق الخلاء. أخبرنيأن هناك تجاراً جددا يركبون سيارة (جيب) سوداء، يبيعون بضاعة قوية وبسعر بخس”.

فخ الغباء

​كانت السيارة “الجيب السوداء” هي الخيط الذهبي. بدأ المحققون يمشطون الدواوير المجاورة، حتى تركزت الشبهات حول منزل ريفي منعزل، يسكنه رجل مسن يدعى “الحاج” وابناه العشرينيان: “حميد” و”عمران”. كانت سمعة هؤلاء تسبقهم؛ تجار مخدرات قساة، لا يرحمون من يتجاوز حدوده معهم.

​في فجر اليوم التالي، نفذت القوات الخاصة عملية مداهمة خاطفة. طوقوا المنزل من كل الجهات. حاول “عمران” القفز من السطح، لكنه وجد فوهات البنادق في انتظاره. تم تقييد الجميع.

​وبينما كان المحقق كمال يتفحص المكان، نطق “حميد” بجملة دمرت كل دفاعاتهما:

“نحن نبيع الكيف لنعيش.. لم يمت أحد بسبب بضاعتنا.. نحن لم نقتل أحداً!”.

ابتسم المحقق كمال ابتسامة ذئبية وقال: “ومن الذي أخبرك أننا جئنا من أجل جريمة قتل؟ نحن نبحث عن سيارة مسروقة فحسب!”.

ساد الصمت الثقيل. لقد أوقع الجاني نفسه في شر أعماله.

ليلة “المقدّة” والدماء

​داخل غرف التحقيق الباردة، وتحت وطأة الأدلة (حيث عثر على هاتف المختار مدفوناً تحت شجرة قريبة من منزلهم وعليه آثار دم تطابق فصيلة دمه)، بدأ الأخ الأصغر بالانهيار والاعتراف.

​لقد كانت تلك الليلة مظلمة. جاء المختار وهو في حالة من الغليان النفسي. بدلاً من أن يشتري بضاعته ويرحل، استيقظت بداخله غريزة “الحكّار”. استغل انشغال “الحاج” بوزن البضاعة، وقام بخفة يد -رغم شللها- بدس أربع رزم ضخمة من الكيف الفاخر تحت معطفه الواسع.

​لكن “عمران” كان يراقبه من مرآة السيارة. صرخ فيه: “أخرج ما تحت معطفك يا لص!”.

بدلاً من الاعتذار، حاول المختار التظاهر بالقوة وصاح بلسانه السليط: “من تسمونه لصاً يا بائعي السموم؟ سأرحل بهذه الرزم ولن أدفع سنتاً واحداً!”.

​في تلك اللحظة، تحول المكان إلى ساحة إعدام. لم يكن المختار أمام جيران مسالمين يخافون لسانه، بل كان أمام “ذئاب” لا تعرف القانون. استل “حميد” سيفاً طويلاً وهوى به على عنق المختار، وبينما هو يترنح، تناول “عمران” (المقدّة) -وهي أداة فلاحية ثقيلة تستخدم لتكسير الأحجار وتقليب التربة- وضرب بها جبهة المختار ضربة جعلت الجمجمة تتهشم كقطعة فخار.

​سقط المختار صامتاً. “الحكّار” الذي أرهب النساء والرجال، مات من أجل “أعشاب” لا تساوي قيمتها دراهم معدودة.

محاولة دفن الحقيقة

​في حالة من الذعر، وبإشراف من الأب (الحاج) الذي أراد حماية أبنائه، قاموا بتحميل الجثة في “الجيب السوداء”. انطلقوا بها عبر الطرق غير المعبدة حتى وصلوا إلى تلك الخربة المهجورة. ألقوه في الحفرة كأنه كيس نفايات، وعادوا وهم يظنون أن الظلام سيكتم سرهم للأبد.

​لكنهم في زحمة الرعب، نسوا أن هاتف المختار سقط منه في فناء منزلهم أثناء العراك، وأن دماءه قد تغلغلت في تربة دارهم، لتنطق الحقيقة التي حاولوا دفنها.

عدالة الأرض والسماء

​أسدلت المحكمة الستار على هذه المأساة بأحكام زلزلت المنطقة:

​الأخوان (حميد وعمران): السجن المؤبد بتهمة القتل العمد مع سبق الإصرار والترصد، وتكوين عصابة إجرامية.

​الأب (الحاج): 10 سنوات سجناً بتهمة المشاركة والتستر على جريمة نكراء وتضليل العدالة.

​والقريب: 5 سنوات لعدم التبليغ عن جناية يعلم بوقوعها.

​خرجت “زهرة” من قاعة المحكمة وهي لا تعرف هل تحزن على زوجها أم تنفس عن غضبها من أفعاله التي قادته لهذه النهاية. أما في حي “الأمل”، فقد عادت السكينة إلى الدرج الذي كانت تنظفه خديجة.

​العبرة الخالدة:

لقد عاش المختار حياته يظن أن القوة هي في “الحكرة” وطول اللسان، ولم يدرك أن الظلم ظلمات. مات وهو يحاول سرقة “حرام”، على يد من هم “أظلم” منه. هي دائرة لا تنتهي من الشر، لا يكسرها إلا ميزان العدل.

​وبقيت قصة المختار تروى في ذلك الحي، ليس كبطل، بل كتحذير لكل من تسول له نفسه أن يمشي في الأرض مرحاً ويظن أن الناس لا حول لهم ولا قوة، فخلف كل “حكّار”.. نهاية لا تليق إلا بأفعاله.

أضف تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.