يفتح قانون الصحافة في المغرب واحدة من أكثر المواجهات حساسية في علاقة السلطة بالإعلام. وقد أعاد إلى الواجهة نقاشا قديما يتجدد كلما طُرحت مسألة التنظيم. فالقانون، الذي قدم في البداية باعتباره خطوة إصلاحية ضرورية. سرعان ما تحول إلى مصدر توتر مهني وسياسي، حيث إن الاعتراض لم ينصب فقط على بنوده، بل على فلسفته وسياقه وطريقة تمريره.
وتجدر الإشارة إلى أن هذا النقاش لا يخص الصحافيين وحدهم. بل يمس حق المجتمع في إعلام حر، وفي تعددية الرأي، وفي نقد السلطة دون خوف أو وصاية.
من نص قانوني إلى خيار سياسي
يتعلق جوهر الخلاف بإعادة تنظيم المجلس الوطني للصحافة، باعتباره الهيئة التي تمسك بمفاتيح أساسية داخل الحقل الإعلامي. من البطاقة المهنية إلى أخلاقيات المهنة والمساطر التأديبية. وقد يبدو النص، من حيث الشكل، قانونًا تقنيًا، غير أن مضمونه يكشف عن خيار سياسي واضح. حيث إن طريقة تشكيل المجلس وصلاحياته تجعل منه فاعلا مؤثرا في رسم حدود الحرية المهنية. إلى ذلك، فإن القانون لا يمكن فصله عن السياق العام الذي تعيشه الصحافة المغربية، في ظل تحولات رقمية متسارعة، وتراجع الثقة، وصعود خطاب يربط بين الإعلام والفوضى.
التنظيم الذاتي… حين يفقد معناه الأصلي
منذ إقرار مبدأ التنظيم الذاتي، جرى تقديمه باعتباره مكسبًا للصحافيين، حيث إن المهنة، نظريا، أصبحت تدبر شؤونها بنفسها، دون تدخل مباشر من السلطة التنفيذية. غير أن الصيغة الجديدة المقترحة أعادت هذا المفهوم إلى نقطة التساؤل، وقد اعتبرت هيئات مهنية أن تقليص آليات الانتخاب المباشر، وتوسيع هامش التمثيل غير المنتخب، يفرغ التنظيم الذاتي من جوهره. ناهيك عن أن التنظيم، حين لا ينبع من القاعدة المهنية، يتحول من آلية حماية إلى أداة ضبط، حتى وإن تم تقديمه بلغة إصلاحية.
سياق التمرير…حين يصبح الاستعجال رسالة
وقد زاد من حدة الجدل السياق الذي مر فيه القانون داخل البرلمان، حيث تمت المصادقة عليه وسط انسحاب فرق معارضة، واحتجاجات مهنية، وشعور عام بأن النقاش لم يأخذ مداه الطبيعي. صحيح أن الأغلبية تملك التفوق العددي، غير أن قضايا الحرية، حيث ترتبط بالحقوق الأساسية، لا تدار فقط بمنطق العدد.
إلى ذلك، فإن تمرير القانون بهذه الطريقة بعث برسالة سياسية مفادها أن الحسم التشريعي أولوية، حتى وإن جاء على حساب التوافق.
داخل الجسم الصحفي… خوف يتجاوز النص
في غرف التحرير، يسود قلق مهني واضح، وقد عبّر عنه صحافيون بشكل صريح أو ضمني. فالتخوف لا يتعلق فقط بمضمون القانون، بل بما قد يفتحه من إمكانيات للتحكم غير المباشر في المسار المهني. حيث إن البطاقة المهنية، وآليات التأديب، وتمثيلية المجلس، كلها عناصر يمكن أن تتحول إلى أدوات ضغط. وتجدر الإشارة إلى أن هذا القلق لا يعني رفض التنظيم في حد ذاته، بل رفض تنظيم لا يطمئن المهنيين إلى استقلالهم.
خطاب الحكومة… إصلاح بلا مساس بالحرية؟
تؤكد الحكومة، في كل مناسبة، أن القانون لا يستهدف حرية الصحافة، وقد شددت على أنه يهدف إلى إصلاح قطاع يعاني من اختلالات بنيوية. خاصة في ظل التمدد الرقمي. حيث إن الخطاب الرسمي يربط بين التنظيم وحماية المهنة. ويعتبر أن الحرية لا تتناقض مع الضبط. غير أن هذا الطرح يصطدم بإشكال الثقة، لأن الإصلاح، حين يُفرض دون إشراك فعلي للمعنيين، يفقد جزءًا كبيرًا من مشروعيته، مهما كانت نواياه المعلنة.
الدستور بين الحرف والروح
ينص الدستور المغربي بوضوح على ضمان حرية الصحافة ومنع الرقابة القبلية، حيث إن هذا المبدأ يشكل أحد أعمدة البناء الديمقراطي. غير أن الخطر لا يكمن دائمًا في النصوص الصريحة، بل في الآليات. وقد حذر معارضو القانون من أن التحكم في التمثيلية والمسار المهني قد يؤدي إلى رقابة غير معلنة، لكنها فعّالة. إلى ذلك، برزت مطالب بإحالة القانون على المحكمة الدستورية. باعتبارها الجهة القادرة على فحص مدى انسجامه مع روح الدستور، لا فقط مع نصه.
ما وراء القانون… حسابات أعمق
لا يمكن قراءة هذا القانون بمعزل عن خلفيات أوسع، حيث إن النقاش يكشف عن صراعات نفوذ داخل الحقل الإعلامي، وعن رغبة في إعادة ترتيب المشهد في ظل تراجع الإعلام التقليدي وصعود المنصات الرقمية. ناهيك عن التخوف من صعوبة التحكم في تدفق المعلومة والرأي، وهو ما يجعل التنظيم، في نظر بعض الدوائر، ضرورة سياسية بقدر ما هو إجراء مهني. غير أن هذا المنطق، إذا طبق دون ضمانات، قد يؤدي إلى نتيجة عكسية.
المقارنة الدولية… أي طريق يختاره المغرب؟
في عدد من الدول الديمقراطية الراسخة، تنظم الصحافة عبر مجالس مستقلة فعليًا، منتخبة من داخل الجسم الصحفي، ومحصَّنة قانونيًا ومؤسساتيًا من أي تدخل سياسي مباشر أو غير مباشر، حيث إن الاستقلال في هذه التجارب لا يُعد امتيازًا، بل قاعدة لا نقاش حولها. وقد مكّن هذا النموذج من بناء علاقة متوازنة بين الدولة والإعلام، تقوم على المحاسبة المهنية الذاتية، دون أن تتحول إلى وسيلة للضغط أو التهديد. وتجدر الإشارة إلى أن هذه المجالس لا تكتفي بدور تأديبي، بل تضطلع أيضًا بأدوار تحكيمية وأخلاقية، تسهم في حماية حرية التعبير وتعزيز ثقة المجتمع في الصحافة.
في المقابل، تعرف دول أخرى نماذج مغايرة، حيث تستعمل القوانين المنظمة للإعلام كأدوات لإعادة ضبط المشهد الصحفي وفق منطق السيطرة لا وفق منطق الشراكة. وقد تبدأ هذه النماذج بخطاب إصلاحي مشابه لما يُتداول اليوم، تحت عناوين محاربة الفوضى، أو حماية المهنة، أو ضمان الأمن المعلوماتي. غير أن مآلاتها تنتهي غالبا إلى مجالس شكلية، فاقدة للاستقلال، تستخدم لتطويع الصحافة بدل تطويرها. ناهيك عن أن هذه التجارب أثبتت أن التضييق القانوني لا يؤدي إلى إعلام مهني، بل إلى إعلام خائف أو مستأنس، وهو ما ينعكس سلبا على جودة النقاش العمومي.
المناخ الديمقراطي
إلى ذلك، تظهر المقارنة الدولية أن المسألة لا تتعلق فقط بشكل القوانين، بل بروحها وبالبيئة السياسية التي تطبق فيها. فحيث إن المناخ الديمقراطي يكون صحيا، تطبّق القوانين بروح الانفتاح، وحيث يغيب هذا المناخ، تتحول النصوص نفسها إلى أدوات تقييد. وقد بينت تجارب عديدة أن المجالس الصحفية المستقلة لا تضعف الدولة. بل تقويها، لأنها تخلق إعلاما ناقدا لكنه مسؤول، حرا لكنه منضبط أخلاقيا.
وعليه، يقف المغرب اليوم عند مفترق طرق حقيقي، حيث إن اختياره لنموذج تنظيم الصحافة لن يكون قرارا تقنيًا معزولا. بل خيارا سياسيا واستراتيجيا سيحدد طبيعة العلاقة بين السلطة والصحافة لسنوات قادمة. فإما أن يتجه نحو نموذج يعزز التنظيم الذاتي، ويمنح الثقة للمهنيين، ويكرس استقلال الإعلام كرافعة ديمقراطية. وإما أن ينزلق نحو نموذج هجين، يحمل في ظاهره لغة الإصلاح، لكنه في عمقه يعيد إنتاج منطق الضبط والتحكم.
وتجدر الإشارة، في هذا السياق، إلى أن الرهان لا يقتصر على الصحافيين وحدهم، بل يهم المجتمع ككل. حيث إن حرية الصحافة ليست امتيازا لفئة مهنية، بل حقا جماعيا يضمن حق المواطن في المعرفة، والمساءلة، والنقاش الحر. ناهيك عن أن أي تراجع في هذا المجال. وإن بدا محدودا في بدايته، سرعان ما تتسع دوائره، لتطال مجالات أخرى من الفضاء العمومي.
الرأي العام…غضب مفهوم ونتائج خطيرة
جزء من الرأي العام يرحب بأي القانون “يؤدب” الصحافة، وقد يعكس ذلك غضبا من ممارسات إعلامية غير مهنية. غير أن هذا الغضب، حيث يكون مفهوما، لا يجب أن يتحول إلى مبرر لتقليص الحرية. ناهيك عن أن إضعاف الصحافة لا يضر بالصحافيين فقط، بل يحرم المجتمع من حقه في المعلومة والنقد والمساءلة.
اختبار حقيقي للحرية
وعليه، لا يتعلق الأمر بقانون تقني فقط، بل باختبار حقيقي لمدى استعداد الدولة لتحمل كلفة الحرية. وقد أثبت التاريخ أن الإصلاح الحقيقي لا يخاف من الصحافة، بل يحتاجها، حيث إن النقد شرط للتوازن والاستقرار. أما القوانين التي تصاغ بروح الشك. فقد تنجح في الضبط المؤقت، لكنها تفشل في بناء الثقة، والثقة هي الأساس الذي تقوم عليه أي ديمقراطية حقيقية.













