قانون الصحافة والتشهير الرقمي: كيف نحمي سمعة الناس دون خنق حرية التعبير؟

الحدث بريس8 يناير 2026
قانون الصحافة والتشهير الرقمي: كيف نحمي سمعة الناس دون خنق حرية التعبير؟
مراقب سياسي

لا يحتاج تدمير سمعة إنسان اليوم إلى محكمة ولا إلى تحقيق ولا حتى إلى دليل مكتمل. يكفي “سكرينشوت” خارج سياقه، أو مقطع فيديو مبتور، أو عنوان مستفز يطلقه حساب مجهول… ثم تتكفل الخوارزميات بالباقي. خلال ساعتين فقط يتحول شخص عادي إلى “قضية رأي عام”، وتتحول حياته المهنية والاجتماعية إلى ركام، بينما الحقيقة لا تزال غائبة وقانون الصحافة شاهد على واقع مرير دون أي تأثير يذكر.

في هذا المشهد الجديد، يبرز السؤال الأخطر: هل نختار حرية التعبير ونقبل الفوضى؟ أم نختار الحماية ونقبل تكميم الأفواه؟

الجواب الواقعي ليس هذا ولا ذاك. فالمغرب، مثل باقي الدول، لا يمكنه أن يعيش بلا صحافة جريئة ولا يمكنه أيضا أن يتعايش مع اغتيال معنوي مجاني يصنعه هاتف في جيب كل واحد. الحل الحقيقي هو التوازن: أن نحمي حرية التعبير من “سوء الاستعمال”، وأن نحمي سمعة الناس من “عدالة بطيئة” لا تسعف الضحية إلا بعد أن يتسع الضرر.

النقد المشروع ليس تشهيرًا… والتشهير ليس رأيا

أول خطوة نحو التوازن هي أن نمّز بوضوح بين أمرين يختلطان عمدا أحيانا:

النقد المشروع: هو الحديث عن أداء مسؤول، أو مؤسسة، أو خدمة عمومية، أو قرار إداري، أو ظاهرة اجتماعية… بلغة قوية أحيانا، لكن بأرضية من الوقائع أو التحليل أو التجربة المباشرة. النقد هنا يخص “الفعل” و“الأثر” و“المسؤولية”.

أما التشهير فهو اتهام أشخاص بأفعال خطيرة دون دليل، أو تعميم نوايا وفضائح، أو نشر معطيات خاصة، أو سب وقذف وتحريض… الهدف منه ليس إصلاحا ولا نقاشا، بل التجريح أو التصفية أو الابتزاز أو صناعة “تريند”.

المشكلة ليست في اختلاف الرأي، بل في قتل الحقيقة. حين تصبح تهمة بلا دليل “محتوى”، وحين يصبح التشكيك في الأعراض “نقاشا”، وحين يصبح التشهير بـ“حسن نية” غطاء للتهور، فهنا نكون أمام خطر يهدد المجتمع قبل أن يهدد الأفراد: خطر أن يفقد الناس ثقتهم في كل شيء… في الإعلام، في العدالة، وحتى في بعضهم البعض.

بين التنظيم والوصاية: من يحمي من؟

في كل مرة ترتفع موجة التشهير، يرتفع معها طلب “التشديد” و“المنع” و“المتابعات”. وفي كل مرة تقع فيها متابعة إعلامية أو حكم مثير للجدل، يرتفع بالمقابل خطاب “الاستهداف” و“تكميم الأفواه”.

والنتيجة سجال عقيم بين طرفين، بينما الواقع يؤكد أن الاثنين معا على حق جزئي.

نعم، لا يمكن أن تكون حرية التعبير مرادفا لخراب البيوت. كما أنه لا يمكن أن يتحول التنظيم إلى عصا نلوح بها كلما أزعجنا رأي أو تحقيق. والتنظيم الرشيد ليس وصاية. التنظيم الرشيد هو أن تكون لدينا قواعد واضحة ومعلنة ومفهومة:

  • ما الذي يعد تشهيرا؟
  • وما هو الفرق بين “الخطأ المهني” و“القصد الجنائي”؟
  • وإلى أي حد يمكن السماح بنشر المعطيات الشخصية؟
  • وكيف نضمن أن حق الرد والتصحيح ليس شعارا بل ممارسة سريعة وفعالة؟

حين تغيب هذه الإجابات أو تبقى رمادية، يصبح المجال مفتوحا لنتيجتين سيئتين: فوضى على المنصات، وخوف داخل غرف التحرير.

العدالة البطيئة لا تنصف أحدا

في قضايا التشهير الرقمي، الزمن هو العدو الأول. لأنه إذا كانت الإساءة تنتشر في دقائق، بينما الإنصاف يحتاج شهورا، فحتى الحكم العادل يأتي متأخرا. والضرر يكون قد ترسخ، والناس تكون قد انتقلت إلى “فضيحة” أخرى، والضحية تبقى وحدها في مواجهة آثار لا تمحى بسهولة: سمعة، علاقات، عمل، نفسية…

لهذا فإن أي نقاش جاد يجب أن يتمحور حول فكرة بسيطة: نحتاج مساطر أسرع وحق رد فعّال. فلسنا بحاجة إلى محاكمات استعراضية، بل إلى آليات عملية من قبيل:

  • تمكين المتضرر من تصحيح سريع في نفس المنصة أو الوسيط الذي نشر الإساءة.
  • وإلزامية إبراز الرد بشكل يوازي بروز الادعاء (لا أن يدفن في زاوية).
  • وتبسيط إجراءات الحصول على إزالة محتوى مسيء واضح أو تعديله، وفق معايير محددة، مع ضمان عدم إساءة استعمال الإزالة لإسكات النقد.

والحقيقة أن هذه ليست رفاهية، بل هي صلب “عدالة العصر الرقمي”.

المنصات ليست بريئة… لكنها ليست وحدها المسؤولة

هناك حقيقة نتجنب قولها لأننا نعيش داخلها، هي أن الخوارزميات تكافئ الغضب. والمحتوى الهادئ لا ينتشر مثل الاتهام الصادم. والتصحيح لا يحصد ما يحصده التشهير. والتفاصيل تهزم أمام العناوين. وفي هذا المناخ، يصبح “التريند” محكمة شعبية متقلبة، لا تحفظ حقوق المتهم ولا حقوق الضحية، بل تبحث عن الإثارة.

لكن المسؤولية لا تقع على المنصات وحدها. لأن الإعلام المهني مطالب بأن يتذكر أنه حين يلهث خلف “السبق” بلا تدقيق، يصبح جزءا من المشكلة. والمؤثرون مطالبون أن يدركوا أن عدد المتابعين ليس رخصة للتشهير. والمتلقي نفسه مطالب بأن يسأل:

هل هذا خبر أم إشاعة؟ وما هو المصدر؟ وهل هناك طرف آخر لم يتم سماع روايته للأحداث؟

حلول واقعية… لا شعارات

الحديث عن “التوازن” جميل، لكنه بلا قيمة إن لم يتحول إلى إجراءات قابلة للتطبيق. ولابد من خطوات واقعية تتجلى أولا في التربية على الإعلام والرقميات، وليس المقصود هنا دروسا نظرية، بل مهارات بسيطة: كيف نتحقق؟ كيف نفرق بين رأي وخبر؟ كيف نفهم التلاعب بالصور والعناوين؟

ولا بديل عن تقوية الصحافة المهنية بدل ترك الساحة للفراغ لأنه بضعف المؤسسات المهنية، تترك الفراغ ليملأه حساب مجهول. وحين يصبح الوصول إلى المعلومة صعبا، تصبح الإشاعة “تفسيرا جاهزا”.

كما أنه من الضروري تفعيل حق الرد والتصحيح بآليات واضحة وسريعة، لأن الإنسان لا يملك ترف الانتظار حتى “يهدأ التريند” فالسمعة لا تُؤجل.

وهنا تتجلى ضرورة إحداث ميثاق أخلاقي رقمي معلن ليس للصحفيين وحدهم، بل لكل من ينشر للعموم: المؤثر، وصاحب الصفحة، ومدير المجموعة… تتضمن قواعد تنطلق من منع نشر المعطيات الخاصة، والاتهام دون دليل، والتحريض، واستغلال صور الأطفال أو المرضى، وتحويل المآسي إلى محتوى.

أما المؤسسات العمومية والخاصة فهي مطالبة بشفافية أكبر لأنه كلما كان التواصل المؤسساتي ضعيفا ومتأخرا، أصبحت الإشاعة هي “الناطق الرسمي”. والشفافية الأسرع تعني بالضرورة إشاعة أقل.

نريد حرية قوية… لا حرية مفترسة

حرية التعبير ليست ترفا ولا زينة ديمقراطية. بل هي شرط للمحاسبة، ورافعة للإصلاح، وصمام أمان ضد الاستبداد. لكن الحرية نفسها تصبح خطرا حين تتحول إلى سلاح يشهر في وجه الناس دون ضمير ودون مسؤولية.

والمعركة ليست بين “الصحافة” و“القانون”، ولا بين “المنصات” و“المجتمع”. بل المعركة الحقيقية هي أن نبني فضاء عاما يسمح بالنقد الصريح، ويحمي في الوقت نفسه كرامة الأفراد من الاغتيال المعنوي.

إن كنا نريد مغربًا يحترم الرأي المختلف ويصون الكرامة، فالمطلوب ليس خنق الأصوات… بل تنقية الفضاء بدءا بتسهيل طريق الحقيقة، وقطع الطريق أمام التشهير. وجعل الإنصاف أسرع من الإشاعة، لا أبطأ منها.

وفي النهاية يبقى السؤال الذي يستحق أن يطرح، هل نريد قانونا “يضيق” على الحرية، أم منظومة “تحمي” الحرية من الانزلاق… دون أن تكسرها؟

أضف تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.