عادت قنطرة واد تانسيفت، وهي أقدم قنطرة بالمغرب والتي يناهز عمرها ألف سنة، إلى واجهة النقاش العمومي بعد ظهور تصدعات هيكلية خطيرة في دعاماتها الأساسية وبنيتها العلوية. هذه التطورات المقلقة دفعت والي جهة مراكش آسفي، عامل عمالة مراكش، خطيب الهبيل، للقيام بزيارة ميدانية للقنطرة، للوقوف على حجم الخسائر، و الحرص على حماية أرواح العابرين، في خطوة تعكس خطورة الوضع وحجم التهديد القائم، و مما يرجح إمكانية إغلاق القنطرة لأسابيع عديدة.

تصدعات وشقوق تنذر بالخطر
المعاينات الميدانية التي رصدها طاقم جريدة “الحدث بريس” الإلكترونية عبر الصور التي توصلنا بها من عين المكان. كشفت عن شقوق واضحة في أعمدة القنطرة وقواعدها، إضافة إلى تآكل متقدم في البنية الإسمنتية بفعل التعرية المائية وتقادم مواد البناء. هذه الأضرار البنيوية تجعل القنطرة غير قادرة على تحمل الضغط المتزايد لحركة السير، خاصة مع عبور الشاحنات والمركبات الثقيلة بشكل يومي.

محور طرقي استراتيجي تحت الضغط
تقع قنطرة تانسيفت بتراب مقاطعة النخيل عند المدخل الشمالي لمدينة مراكش، والذي يعتبر أحد أهم مداخل المدينة. بكون القنطرة تشكل محورا طرقيا حيويا يربط المدينة بمحيطها القروي وبعدد من الأقاليم المجاورة. و خاصة بالطريق المؤدية لمدينة الدار البيضاء. هذا الموقع الاستراتيجي جعلها عرضة لحركة مرور كثيفة، تفوق بكثير ما صممت لتحمله تاريخيا، وهو ما سرع وتيرة تدهورها.

قيمة تاريخية في مواجهة الإهمال
لا تمثل قنطرة واد تانسيفت مجرد منشأة لعبور الوادي، بل تعد معلمة تاريخية شاهدة على تعاقب الحضارات التي مرت على مراكش. كيف لا و قد شيدت في فترة تاريخية مبكرة، وظلت قرونا طويلة تؤدي دورا اقتصاديا وعمرانيا محوريا. غير أن هذه القيمة الرمزية لم تشفع لها أمام سنوات من الإهمال وغياب الصيانة الدورية، ما جعلها اليوم مهددة في وجودها.

الإغلاق… حل وقائي أم اعتراف متأخر؟
قرار الإغلاق الفوري، وإن كان ضروريا لتفادي كارثة محتملة، يطرح تساؤلات حول توقيته. فالمؤشرات التحذيرية لم تظهر فجأة. بل كانت تتراكم منذ سنوات. ويعتبر متابعون أن الإغلاق يعكس اعترافا متأخرا بخطورة الوضع، في ظل غياب رؤية استباقية لحماية المعالم التاريخية المدمجة في النسيج الحضري الحديث.

تداعيات على الحركة والاقتصاد المحلي
إغلاق القنطرة سيؤدي حتمًا إلى ارتباك مروري، خاصة بالنسبة للساكنة المجاورة والمهنيين الذين يعتمدون على هذا المحور في تنقلاتهم اليومية. كما قد تنعكس هذه الخطوة على الأنشطة الفلاحية والتجارية المرتبطة بمحيط واد تانسيفت. ما يستدعي توفير بدائل طرقية مؤقتة لتخفيف الضغط.

بين الترميم والمسؤولية المؤسسية
تحليليا، تطرح حالة قنطرة تانسيفت سؤالا أوسع حول كيفية تدبير التراث المعماري بالمغرب، خاصة تلك المعالم التي ما تزال تستعمل في الحياة اليومية. فهل سيتم الاكتفاء بإصلاحات ظرفية. أم أن الأمر يستدعي مشروع ترميم شامل يوازن بين الحماية التاريخية ومتطلبات السلامة العصرية؟ كما يبرز إشكال تداخل المسؤوليات بين الجهات المعنية بالبنية التحتية والقطاعات المكلفة بالتراث.
التاريخ لا ينتظر
قنطرة واد تانسيفت اليوم ليست مجرد بناء متصدع، بل رمز لتحذير واضح: التراث حين يهمل يتحول من قيمة حضارية إلى خطر داهم. وبين الإغلاق المؤقت والوعود المحتملة بالترميم. يبقى الرهان الحقيقي هو إنقاذ هذه المعلمة التاريخية قبل أن تتحول من شاهد على ألف سنة من التاريخ إلى ذكرى منسية تحت ركام الإهمال.















