ما بعد سنوات الجفاف مجلس حوض تانسيفت يعلن الانتقال من منطق الأزمة إلى هندسة المستقبل المائي

الحدث بريس21 يناير 2026
ما بعد سنوات الجفاف مجلس حوض تانسيفت يعلن الانتقال من منطق الأزمة إلى هندسة المستقبل المائي

لم يكن انعقاد المجلس الإداري لوكالة الحوض المائي لتانسيفت برسم دورة سنة 2025. الذي ترأسه وزير التجهيز والماء نزار بركة بمقر عمالة إقليم اليوسفية. مجرد محطة إدارية روتينية، بقدر ما شكل لحظة تقييم دقيقة لمسار تدبير الموارد المائية. واستشرافا لتحولات عميقة تفرضها الإكراهات المناخية والانتظارات التنموية المتزايدة بالجهة.

سياق مناخي متحول… وأمطار تعيد الأمل دون تبديد الحذر

يأتي هذا الاجتماع في سياق مناخي خاص، تطبعه عودة التساقطات المطرية والثلجية بعد سنوات طويلة من الجفاف. وهو ما اعتبره الوزير نزار بركة “بشائر خير” أعادت بعض التوازن للوضعية المائية بالحوض. غير أن الخطاب الرسمي حرص على عدم السقوط في منطق الاطمئنان الظرفي. مؤكدا أن التحسن المسجل، رغم أهميته، لا يلغي هشاشة المنظومة المائية ولا يعفي من مواصلة التعبئة الشاملة. فالأرقام، وإن بدت إيجابية، تعكس في العمق طبيعة التغيرات المناخية الحادة: فائض يفوق 185 في المائة مقارنة مع السنة الماضية، لكنه يظل غير كاف لتعويض العجز التراكمي لسبع سنوات من الجفاف. ما يفرض الانتقال من تدبير الندرة إلى بناء نموذج استدامة طويل الأمد.

مشاريع مهيكلة… رهان الدولة على البنية التحتية المائية

أبرز ما طبع أشغال المجلس هو استعراض حزمة من المشاريع الكبرى التي تشكل العمود الفقري للأمن المائي بحوض تانسيفت، وفي مقدمتها تسريع إنجاز سد آيت زيات وسد بولعوان، مع تقليص آجال الإنجاز بشكل لافت، وهو ما يعكس إرادة سياسية واضحة لربح الزمن المائي قبل تفاقم التحديات.

ولا تقتصر هذه المشاريع على السدود الكبرى، بل تمتد إلى السدود المتوسطة والتلية، خاصة بالمناطق المتضررة من زلزال الحوز، ما يبرز تداخلا بين البعد الاجتماعي والبعد البيئي في السياسة المائية، حيث لم يعد الماء مجرد مورد، بل أداة لإعادة الإعمار وتحقيق الاستقرار المجالي.

حكامة مائية جديدة: من القياس إلى التتبع الذكي

على مستوى التدبير، برز توجه واضح نحو ترسيخ الحكامة المائية، من خلال تعميم العدادات الذكية لتتبع استغلال الفرشات المائية، وضبط مردودية قنوات نقل المياه، في خطوة تعكس تحولا من منطق التدخل بعد وقوع الخصاص، إلى منطق التتبع الاستباقي والتحكم في الاستغلال.

كما أن إطلاق مسار بلورة عقود الفرشات المائية، خاصة بمسقالة – كريمات والحوز – مجاط، يعبّر عن إدراك متزايد بأن أزمة الماء ليست تقنية فقط، بل هي أزمة تنسيق وتدبير مشترك بين مختلف الفاعلين.

التحلية وإعادة استعمال المياه… حلول المستقبل تفرض نفسها

أحد أبرز رهانات المرحلة المقبلة يتمثل في تنويع مصادر التزود بالماء، وهو ما يتجسد في مشروع دعم مدينة مراكش الكبرى بالماء الشروب انطلاقا من محطة تحلية مياه البحر بآسفي، المرتقب تشغيلها في أبريل 2026. هذا المشروع، بما يحمله من أبعاد استراتيجية، يؤشر على انتقال المغرب من سياسة الاعتماد شبه الكلي على الموارد التقليدية، إلى تبني حلول مبتكرة تفرضها ندرة الماء.

ويوازي ذلك التوجه نحو تعميم استعمال المياه العادمة المعالجة لسقي المساحات الخضراء، ليس فقط بمراكش، بل أيضا بعدد من المدن والمراكز الصاعدة، في محاولة لفك الارتباط بين التوسع الحضري والضغط على الموارد المائية العذبة.

البعد الترابي: اليوسفية نموذجا

من زاوية ترابية، أكد عامل إقليم اليوسفية أن وكالة الحوض المائي لتانسيفت اضطلعت بدور محوري في مواكبة الإقليم. وذلك عبر مشاريع وقائية واستشرافية، خاصة في مجال الحماية من الفيضانات وتأهيل السدود التلية. وهو ما يعكس تحولا في وظيفة الوكالة من مؤسسة تقنية إلى فاعل تنموي يواكب التحولات المجالية ويستبق المخاطر.

بين التحدي والالتزام: نحو سياسة مائية أكثر جرأة

خلصت أشغال المجلس إلى المصادقة على عدد من الاتفاقيات. خاصة المرتبطة بالحماية من الفيضانات وإعداد أطلس للمناطق المهددة. في خطوة تعزز منطق الوقاية بدل رد الفعل. غير أن نجاح هذه الرهانات يبقى رهينا بمدى الالتزام الجماعي بتنفيذ التوصيات. وتكثيف التنسيق بين الدولة والجماعات الترابية والقطاع الخاص.

ويكشف انعقاد المجلس الإداري لوكالة الحوض المائي لتانسيفت أن المغرب دخل مرحلة مفصلية في تدبير موارده المائية، عنوانها الانتقال من تدبير الأزمة إلى هندسة المستقبل. فالأمطار، رغم أهميتها، لم تعد ضمانة كافية، بل مجرد فرصة لإعادة ترتيب الأولويات، وبناء سياسة مائية أكثر جرأة، تستند إلى التخطيط، والتكنولوجيا، والحكامة. وتضع الإنسان والمجال في صلب معادلة الأمن المائي.

أضف تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.