السينما الإيرانية بين الواقعية الشعرية، والإنسانية العميقة، و سرد القصص المبتكرة

الحدث بريس..22 يناير 2026
السينما الإيرانية بين الواقعية الشعرية، والإنسانية العميقة، و سرد القصص المبتكرة

ذكرت صحيفة التلغراف البريطانية ، أن أربعة أفلام إيرانية تظهر في استطلاع بي بي سي لأفضل 100 فيلم غير ناطق بالإنجليزية في العالم.

ثلاثة أفلام للمخرج عباس كيارستمي “الخطة العريضة”، المركز 39، و”أين منزل الصديق؟”، المركز 94، و”طعم الكرز” المركز 97 ضمن التصنيف. أما الفيلم الإيراني الآخر الأفضل تصنيف فهو “إنفصال” للمخرج أصغر فرهادي، ويحتل المركز 21.

العوامل الرئيسية لنجاح السينما الايرانية

ليس من المستغرب أن تحظى لحظاتٌ مفصليةٌ في تاريخ السينما الإيرانية بمكانةٍ مرموقةٍ في هذه القائمة، ولا أن يتم اختيار عددٍ محددٍ من الأفلام. قد يُقترح عددٌ أكبر من الأعمال الأخرى، لكن لا يُمكن لأحدٍ أن يُشكك في أهمية هذه الأفلام الأربعة، ولا في مكانة كيارستمي بين كبار المخرجين العالميين. لقد شكّل المشهد السينمائي الإيراني الواسع خلال المئة عام الماضية – أو أكثر – تضاريسَ متنوعةً من الأحداث السينمائية الاستثنائية التي مكّنت هؤلاء المبدعين العظماء من الوصول إلى العالمية.

البدايات المبكرة وظروف نشأة السينما الإيرانية

بشكل عام، من المرجح أن يكون النقاد الذين استُشيروا لوضع تصنيفات بي بي سي على دراية بالسينما الإيرانية أو أي سينما عالمية أخرى من خلال المهرجانات السينمائية الدولية الكبرى، وخاصة في كان والبندقية وبرلين ولوكارنو، والتي طغت على مهرجانات أخرى في الولايات المتحدة واليابان وكوريا الجنوبية والشرق الأوسط وأفريقيا وأمريكا اللاتينية. لقد كان مسار الأفلام الإيرانية إلى هذه المهرجانات الكبرى طويلاً ومتعرجاً، انطلاقاً من جذورها في التاريخ الاجتماعي والثقافي لإيران. وتشكلت السينما الإيرانية تاريخياً في فضاء عام عابر للحدود سواء في منشئها أو وجهاتها من استوديوهات الأفلام في الهند حيث صُنعت الأفلام الإيرانية الأولى، إلى مهرجانات الأفلام الأوروبية.

لم يسبق في تاريخ السينما الإيرانية الطويل أن حُدِّدت حدودها كما هي عليه في يومنا. أول فيلم إيراني ناطق، (فتاة لور، 1932)، المعروف باسم “إيران الأمس وإيران اليوم”، من إنتاج أردشير إيراني وعبد الحسين سبنتا في بومباي. يتميز الفيلم بإطار مرجعي واسع يمتد من أوروبا إلى الإمبراطورية العثمانية والإمبراطورية الروسية، وصولًا إلى مصر والهند، مهد النثر والشعر الفارسي، والفنون البصرية والأدائية الإيرانية.

تراث ثقافي وشعري غني

تألقت فروغ فرخزاد (1935-1967)، إحدى اهم الشاعرات في عصرها، في تاريخ السينما الإيرانية. فمن خلال فيلمها الوثائقي القصير “البيت أسود”، 1962، وضعت فرخزاد السينما الإيرانية على مسار إبداعي لم تحِد عنه قط. صُوِّر فيلمها في مستعمرة للمصابين بالجذام، ويُجسِّد بشكل فريد مزيجًا من الواقع والخيال.

“البقرة” بداية الموجة الجديدة في السينما الإيرانية

قبل انقضاء ذلك العقد المصيري، هُرِّب فيلم المخرج داريوش مهرجوي، (بقرة، 1969)، من إيران وعُرض في مهرجان البندقية السينمائي عام 1971، حيث فاز بجائزة النقاد (فيبريسكي). ثم عُرض مرة أخرى في برلين، مما رسّخ مكانته العالمية كلحظة فارقة في تاريخ السينما الإيرانية الناشئة. يستند فيلم “بقرة” إلى قصة قصيرة لغلام حسين ساعدي، ويروي قصة فلاح وعلاقته المجازية مع البقرة، بأسلوب سردي وبصري مذهل.

رغم التطورات الهامة التي شهدها السينما الإيرانية في سبعينيات القرن العشرين، إلا أن أنظار العالم انصبت على الثورة الإيرانية (1977-1979). وكان فيلم “العداء” (1984) للمخرج أمير نادري هو ما لفت الأنظار إلى السينما الإيرانية، إذ شكّل بمثابة كشفٍ سينمائيٍّ عند عرضه في مهرجان القارات الثلاث في نانت. صُوّر الفيلم في مواقع متعددة جنوب إيران خلال الحرب العراقية الإيرانية (1980-1988)، وتميّز بأسلوب سينمائي فريد، إذ يروي قصة حياة صبيٍّ وحيدٍ مفتونٍ بالجري، وقد أولى نادري هذا الصبيّ أهميةً خاصةً ورمزيةً عميقة.

عباس كيارستمي كاتب فصول الحداثة في تاريخ السينما الإيرانية

مباشرةً بعد النجاح العالمي لفيلم “العداء”، بدأ العالم يهتم بالمخرج عباس كيارستمي، عندما عُرض فيلمه الكلاسيكي الآن، “أين منزل الصديق؟” (1985)، لأول مرة في مهرجان لوكارنو السينمائي. حتى ذلك الحين، كان كيارستمي مخرجًا معروفًا وناجحًا في إيران فقط، لكن الترحيب الذي حظي به في أوروبا وضعه في مصاف أعمال مخرجين كبار مثل “لص الدراجة” (1948) للمخرج فيتوريو دي سيكاس، و”حكاية طوكيو” (1953) للمخرج ياسوجيرو أوزو، و”ثلاثية آبو” (1855-1859) للمخرج ساتياجيت راي، مما منحه شهرةً عالميةً واسعةً ومكانةً مرموقة.

جعفر بناهي واسلوب الواقعية النقدية، والجرأة الفنية في مواجهة القمع

في العقد التالي، نال جعفر بناهي شهرة عالمية عندما عُرض فيلمه “The District” “دائرة” (1999) في مهرجان البندقية السينمائي. كان بناهي من المفضلين لدى عباس كيارستمي، لكنه وسّع نطاق مهارات معلمه السينمائية لتشمل مجالات اجتماعية وسياسية تتجاوز اهتمامات كيارستمي. في البداية، فعل ذلك بخطوات مدروسة ومتأنية. إلا أنه سرعان ما اعتُقل بسبب نشاطه السياسي خلال الحركة الخضراء (2008-2010). ورغم منعه من ذلك، استمر في صناعة الأفلام التي كان يُهرّبها إلى المهرجانات السينمائية الأوروبية.

أصغر فرهادي كاشف المعضلات الأخلاقية المعقدة في السينما الإيرانية

غيّر الصعود المذهل للمخرج أصغر فرهادي النظرة السائدة لما يمكن أن تقدمه السينما الإيرانية. فاز فيلمه العائلي (إنفصال ، 2011) بجائزة الأوسكار لأفضل فيلم أجنبي عام 2012. وبعد خمس سنوات، فاز فيلمه (البائع) عام 2016 بالجائزة نفسها. انتقل فرهادي من المسرح إلى السينما، لذا تتسم أفلامه بالدراما المسرحية. وكان للتصوير السينمائي المتميز لمحمود كلاري، مدير تصوير أفلام فرهادي، دورٌ محوري في ترسيخ هذا الطابع الدرامي السينمائي.

كان العرض العالمي للسينما الإيرانية، الذي لفت الأنظار الدولية إلى بعضٍ من أفضل أعمالها، عنصرًا أساسيًا في إثراء التراث السينمائي الإيراني جماليًا وموضوعيًا، وألهم أجيالًا لاحقة من المخرجين الإيرانيين. في هذا السياق، لا شك أن بعضًا من أفضل الأفلام الإيرانية لم تنل التقدير الذي تستحقه. ومن بين رواد السينما الإيرانية، تبرز أعمال المخرجين فرخ غفاري، وإبراهيم غولستان، وبهمن فرمانارا. كما استفادت إيران من بعض المخرجات الموهوبات، مثل: رخشان بني اعتماد، ومرضية مشكيني، ومنيجه حكمت، اللواتي لم ينلن التقدير الذي يستحقنه.

بقلم :حسن بعلوان

أضف تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.