الحدث بريس..ادريس بوداش.
تشير أحدث التقارير الدولية إلى أن أزمة أسعار الطاقة ليست مجرد اضطراب عابر، بل تمثل تحدياً اقتصادياً عميقاً يضغط على الاقتصادات النامية من عدة جهات. حيث أن تقلبات الطاقة تترجم مباشرة إلى ارتفاع في تكلفة المعيشة وتعميق الضغوط التضخمية، وهو ما يجعل الدول الفقيرة أكثر هشاشة أمام الصدمات الخارجية.
من جهة البنك الدولي، تجدر الإشارة إلى تقرير «آفاق أسواق السلع الأولية» الصادر في ربيع 2025، حيث تم توقع انخفاض في أسعار بعض السلع الأساسية خلال السنوات المقبلة. ويمكن القول أن هذا التراجع المرتقب قد يمنح بعض الدول فرصة لإعادة بناء سياساتها المالية. إلى ذلك، يشير التقرير إلى أن أسعار الطاقة قد تنخفض بنحو 17٪ في عام 2025 إذا توافرت شروط معينة من العرض والطلب. ناهيك إلى أن هذه التوقعات تنطوي على قدر كبير من عدم اليقين، خصوصاً أن أسواق النفط والغاز لا تزال عرضة لتقلبات الجيوسياسة والتوترات الدولية.
وحيث أن سعر خام برنت قد تم تقديره من قبل البنك الدولي عند حوالي 64 دولاراً للبرميل في 2025، مع توقع بانخفاضه إلى نحو 60 دولاراً في 2026، إذا تحققت السيناريوهات الإيجابية التي يفترضها التقرير. وتجدر الإشارة إلى أن تراجع أسعار الفحم سبق أن قدره البنك بأكثر من 25٪ في بعض السيناريوهات، مما قد يخفف بعض الأعباء على الدول التي تستورد هذه المواد. ولكن، ناهيك عن أن هذا الانخفاض المتوقع لا يضمن استقرارًا دائمًا، خاصة إذا عادت بعض الدول المنتجة إلى تشديد الإنتاج أو إذا ارتفع الطلب مجدداً.
في المقابل، يشير صندوق النقد الدولي إلى أن تأثير التضخم سيبقى قائماً لدى العديد من الأسواق الناشئة، حيث أن بعض الدول من المرجح أن تسجل معدلات تضخم مرتفعة رغم التراجع التدريجي في الأسعار العالمية. ويمكن القول أن هذه الدول تقع في قلب مأزق مزدوج: من جهة ارتفاع تكلفة الاستيراد، ومن جهة أخرى محدودية الموارد المالية اللازمة لدعم المواطنين أو تخفيف الصدمة.
إلى ذلك، يشير صندوق النقد إلى أن بعض الاقتصادات النامية قد تستمر في مواجهة تضخم من “رقم مزدوج” مقارنة بالأهداف التي حددتها لأنظمتها النقدية. ناهيك إلى أن سياسات رفع أسعار الفائدة التي تبنتها بعض البنوك المركزية لمواجهة التضخم تأتي بتكلفة على النمو الاقتصادي، ما يزيد من صعوبة الموازنة بين استقرار الأسعار وتحفيز النمو.
من الناحية المجتمعية، حيث أن تأثير ارتفاع الطاقة ليس اقتصادياً فقط، بل يحمل تبعات اجتماعية كبيرة. فارتفاع فواتير الكهرباء والمحروقات يلتهم جزءاً كبيراً من دخل الأسر، ويؤثر على قدرتها الشرائية. إلى ذلك، تضطر الشركات الصغيرة والمتوسطة إلى مواجهة تكاليف إنتاج أعلى، ناهيك عن أنها قد تضطر إلى تخفيض عدد العاملين أو رفع أسعار منتجاتها لمواجهة الضغوط المتزايدة. ويمكن القول أن هذه الحلقة من الضغوط تخلق عبئاً مزدوجاً على المجتمعات: عبء على المواطنين من جهة، وعبء على المؤسسات من جهة أخرى.
وفي القطاع الصناعي والزراعي، نجد أن ارتفاع كلفة الطاقة يزيد من تكلفة الإنتاج، مما ينعكس في النهاية على أسعار السلع الأساسية. وتجدر الإشارة إلى أن بعض التقارير الدولية تضع الاستثمار في الطاقة المتجددة كحل استراتيجي طويل الأمد لتقليل الاعتماد على الوقود الأحفوري. ناهيك إلى أن مصادر نظيفة مثل الشمس والرياح يمكن أن توفر للدول النامية خياراً أقل تعرضاً للصدمات السعرية في المستقبل.
إلى ذلك، تبرز صعوبة الانتقال نحو الطاقة النظيفة في ظل الأوضاع الحالية، حيث أن ذلك يتطلب استثمارات كبيرة وبنية تحتية قوية. ناهيك عن أن بعض الدول ما زالت تعتمد بشكل كبير على الوقود الأحفوري في قطاعات استراتيجية مثل الشحن وتوليد الكهرباء الثقيلة. ويمكن القول إن الانتقال السريع للطاقة المتجددة دون خلق اضطراب اقتصادي ليس أمراً بسيطاً، خاصة في بيئة عالمية لازالت تشهد توترات جيوسياسية.
من جهة أخرى، حسب توصيات البنك الدولي، من الضروري للدول النامية تبني خطة شاملة تشمل تعزيز الانضباط المالي، وتنمية الاستثمار الخاص، وتشجيع الابتكار الطاقي. حيث أن إرساء بيئة استثمارية مواتية يؤدي إلى جذب رؤوس الأموال نحو مشاريع الطاقة النظيفة، وهذا بدوره يضمن استدامة التحول الطاقي. وتجدر الإشارة إلى أن الإصلاحات المالية والتجارية ليست مجرد خيارات، بل هي أدوات أساسية لكي تتمكن الدول من استفادة حقيقية من انخفاض أسعار السلع الأولية ولا تقع ضحية لتذبذباتها.
وعلاوة على ذلك، يمكن القول إن بناء مخزونات استراتيجية للطاقة يعد من الخطوات الحيوية في تعزيز قدرة الدول على مواجهة الصدمات. ناهيك إلى أن التنويع في مصادر الطاقة، سواء عبر استيراد من بلدان مختلفة أو الإنتاج المحلي أو الاستثمار في الطاقات المتجددة، يمنح مرونة أكبر للتعامل مع الضغوط العالمية.
إلى ذلك، يلوح في الأفق سيناريو تفاؤلي مشروط: إذا نجحت الدول النامية في تنفيذ هذه الإصلاحات، فإنها ستكون في موقع أقوى لمواجهة موجات الطاقة والتضخم في المستقبل. حيث أن التوازن بين أمن الطاقة والنمو الاقتصادي يمكن أن يتحول من تحدٍّ إلى فرصة استراتيجية. ويمكن القول إن هذه الأزمة، وإن كانت مؤلمة، تمثل لحظة فارقة لدول لم تستثمر بعد في قدرتها التنموية المستدامة.
وفي النهاية، تبرز البيانات الدولية الصادرة عن البنك الدولي وصندوق النقد الدولي تحوّلاً في خريطة المخاطر الاقتصادية العالمية. حيث أن الأزمة الحالية ليست مجرد صدمة عابرة، بل اختبار حقيقي لمدى جاهزية الدول، وخاصة النامية، لتطوير سياسات مالية وطاقية منسقة. وتجدر الإشارة إلى أن من يدير هذا المورد الحيوي بحكمة وبصيرة سيضمن لأبنائه مستقبلاً أكثر استقراراً، وأماً يمكنه تحويل الأزمة إلى منصة للتحوّل والتنمية.















