الرشيدية في قلب الحوار الدولي بنينغبو 2026.. خطوة جديدة نحو تعزيز التعاون المغربي الصيني
الدكتور سعيد كريمي يقود الحضور المؤسساتي للرشيدية بالصين.. وبروتوكول حسن النوايا مع مدينة يوياو يفتح آفاق شراكة مستقبلية في مجالات التنمية والاقتصاد والثقافة
عززت الجماعة الترابية للرشيدية حضورها في مجال التعاون الدولي بين المدن، من خلال مشاركتها في أشغال «حوار رؤساء بلديات العالم – نينغبو 2026»، المنظم بمدينة نينغبو الصينية خلال الفترة الممتدة من 2 إلى 5 نونبر الجاري، بمشاركة رؤساء بلديات وممثلين عن 20 مدينة تنتمي إلى 15 دولة ومنطقة عبر القارات الخمس، في لقاء دولي شكل مناسبة لتبادل التجارب واستكشاف آفاق التعاون في مجالات التنمية والاقتصاد والابتكار والتبادل الثقافي.
وقاد الدكتور سعيد كريمي، رئيس المجلس الجماعي لمدينة الرشيدية، الحضور المؤسساتي للمدينة ضمن هذا الموعد الدولي، في خطوة تعكس توجه الجماعة نحو تعزيز انفتاحها على التجارب الدولية، واستثمار علاقات التعاون بين الجماعات الترابية لبناء شراكات يمكن أن تساهم في دعم التنمية المحلية والتعريف بالمؤهلات الاقتصادية والسياحية والثقافية التي تزخر بها المنطقة.
وتكتسي هذه المشاركة أهمية خاصة في سياق العلاقات المغربية الصينية، التي تشهد توسعاً في مجالات التعاون الاقتصادي والاستثماري والثقافي، بما يجعل من الدبلوماسية الترابية إحدى الواجهات الممكنة لتعزيز التقارب بين البلدين، من خلال بناء علاقات مباشرة بين المدن وتبادل الخبرات والتجارب في تدبير الشأن المحلي.

من ذاكرة سجلماسة إلى آفاق التعاون الصيني المغربي
ولا تنفصل هذه المشاركة عن عمق تاريخي يربط المغرب بالصين عبر قرون من التواصل الحضاري والتجاري، إذ شكلت طرق القوافل القديمة جسوراً للتبادل بين الشرق والغرب، وكانت منطقة تافيلالت، وفي مقدمتها سجلماسة التاريخية، إحدى المحطات البارزة في شبكات التجارة العابرة للصحراء.
فقد اضطلعت سجلماسة، التي ازدهرت في قلب واحات تافيلالت، بدور تجاري مهم باعتبارها مركزاً للقوافل المتجهة نحو بلاد السودان والمغرب، ضمن منظومة واسعة من المبادلات التي ربطت مناطق مختلفة من العالم. وارتبطت هذه الشبكات بتداول سلع متنوعة، من بينها الذهب والملح والمنسوجات والتوابل والمنتجات النفيسة، في سياق تجاري دولي كانت له امتدادات برية وبحرية نحو الشرق الأقصى.
كما تستحضر الذاكرة التاريخية رحلة الرحالة المغربي ابن بطوطة إلى الصين خلال القرن الرابع عشر، باعتبارها إحدى أبرز محطات التواصل المباشر بين الحضارتين المغربية والصينية. فقد نقل ابن بطوطة في رحلته مشاهداته عن المدن الصينية وعمرانها وأسواقها وأنماط الحياة فيها، مقدماً شهادة تاريخية عن اتساع العلاقات والصلات الحضارية بين مختلف مناطق العالم.
ومن هذه الزاوية، تكتسب مشاركة الرشيدية في منتدى نينغبو بعداً رمزياً يتجاوز التمثيل المؤسساتي، لتستحضر إرثاً تاريخياً من التواصل والانفتاح، وتعيد تقديمه في صيغة حديثة تقوم على الحوار بين المدن والتعاون التنموي وتبادل الخبرات.

الدكتور سعيد كريمي.. حضور مؤسساتي ورهان على انفتاح الرشيدية
ولم يقتصر حضور الدكتور سعيد كريمي على التمثيل البروتوكولي، بل شكل مناسبة للمشاركة في اللقاءات الرسمية والحوار الموضوعاتي الرئيسي للمنتدى، إلى جانب مسؤولين وممثلين عن مدن من مختلف أنحاء العالم، حيث انصبت النقاشات على آفاق التعاون بين الجماعات الترابية، وتبادل التجارب في مجال التنمية المحلية، واستكشاف فرص بناء شراكات دولية ذات مردودية اقتصادية واجتماعية.
وفي محطة بارزة ضمن هذه المشاركة، وقّع الدكتور سعيد كريمي، رئيس الجماعة الترابية للرشيدية، بروتوكولاً لحسن النوايا مع الجانب الصيني، في إطار توجه مشترك يروم فتح آفاق التعاون المؤسساتي بين مدينة الرشيدية ومدينة يوياو الصينية.
وتشكل هذه الخطوة أرضية أولية للتقارب بين المدينتين، وليست اتفاقية شراكة نهائية أو توأمة مكتملة، إذ تندرج ضمن مسار تمهيدي يهدف إلى تعزيز الثقة وتحديد مجالات الاهتمام المشترك، تمهيداً لإعداد اتفاقية رسمية مستقبلاً، تتضمن أهداف التعاون وآليات تفعيله والبرامج العملية الممكن تنفيذها.
ويعكس هذا البروتوكول أهمية الحضور المؤسساتي الذي تقوده الجماعة الترابية للرشيدية، بقيادة الدكتور سعيد كريمي، في استثمار المنتديات الدولية لبناء علاقات مباشرة مع المؤسسات والمدن الأجنبية، والانتقال بها من مستوى التواصل والتعارف إلى مستوى التعاون العملي الذي يمكن أن ينعكس إيجاباً على المدينة وساكنتها.
وتبرز أهمية هذه المبادرة بالنظر إلى المؤهلات التي تتوفر عليها الرشيدية وجهة درعة تافيلالت. سواء في المجال الفلاحي المرتبط بالواحات والتمور والمنتجات المجالية، أو في المجال السياحي والثقافي. فضلاً عن الرصيد التاريخي والحضاري الذي تمثله سجلماسة وطرق القوافل القديمة.
ومن المنتظر أن يشكل التواصل المؤسساتي بين المدينتين خلال المرحلة المقبلة مدخلاً لتحديد القطاعات ذات الأولوية. ودراسة إمكانيات التعاون في مجالات الاستثمار والتكوين وتبادل الخبرات والترويج السياحي والثقافي.

من قاعات الحوار إلى قلب التجربة الاقتصادية الصينية
ولم تقتصر أهمية المشاركة المغربية في منتدى نينغبو على اللقاءات الرسمية والمناقشات المؤسساتية. بل امتدت إلى برنامج ميداني أتاح للوفد التعرف عن قرب على جوانب من التجربة الاقتصادية والصناعية والتكنولوجية الصينية. من خلال زيارات شملت مؤسسات ومرافق اقتصادية وصناعية بمدينة نينغبو ومحيطها.
وفي هذا الإطار، اطلع الوفد على تجربة شركة نينغبو ياجي للخدمات اللوجستية بجزيرة ميشان، حيث تعرف على أنظمة التخزين الذكي وأساليب تدبير البضائع. كما شمل البرنامج زيارة محطة حاويات ميدونغ، والاطلاع على تجهيزات الميناء الذكي ومنصات المراقبة والخدمات المرتبطة بالنقل البحري واللوجستيك.
وعلى المستوى الصناعي والتكنولوجي، شملت الزيارات شركة يونغشي للإلكترونيات. وشركة Zhejiang Biyi المتخصصة في الأجهزة الكهربائية. فضلاً عن مجموعة Peacebird التي قدمت نموذجاً عن تطور الصناعات المرتبطة بالأزياء والتسويق. وشركة Junpu Intelligent، حيث اطلع الوفد على مركز جمع البيانات ومصنع الروبوتات والتقنيات الصناعية الحديثة.
كما تضمن البرنامج زيارات ذات طابع ثقافي وسياحي، شملت بحيرة دونغتشيان ومرافقها، والحي التاريخي «البوند القديم»، وجناح تيان يي. في تجربة سعت إلى إبراز التكامل بين التنمية الاقتصادية والمحافظة على التراث وتطوير البنيات السياحية والثقافية.
وتتيح هذه الزيارات فرصة للتعرف على نماذج متقدمة في تدبير البنيات التحتية واللوجستيك والتصنيع والابتكار. وهي مجالات يمكن أن تشكل موضوعاً لتبادل التجارب بين المدن المشاركة، وفقاً لخصوصيات كل مدينة وإمكاناتها التنموية.

الرشيدية أمام فرصة الانتقال من التواصل إلى التعاون الملموس
وتطرح المشاركة في حوار رؤساء بلديات العالم بنينغبو 2026 أمام الجماعة الترابية للرشيدية تحدياً أساسياً يتمثل في كيفية استثمار هذه المبادرة الدولية وتحويلها إلى مشاريع وبرامج عملية. خصوصاً بعد توقيع بروتوكول حسن النوايا مع مدينة يوياو.
فالتعاون بين المدينتين يمكن أن يشكل فرصة لتبادل الخبرات في تدبير الشأن المحلي، وتطوير المبادرات الاقتصادية، والتكوين، والترويج السياحي. فضلاً عن استكشاف فرص الاستثمار والتعاون في المجالات التي تتقاطع فيها مؤهلات المدينتين.
كما يمكن استثمار البعد التاريخي والثقافي في بناء مشاريع مشتركة للتعريف بتراث سجلماسة وطرق القوافل العابرة للصحراء. واستحضار الروابط الرمزية التي تجمع بين تاريخ التجارة القديمة والتواصل بين الشرق والغرب. بما يمنح هذا التعاون بعداً ثقافياً وحضارياً إلى جانب أبعاده الاقتصادية والتنموية.
ووفق المعطيات التي نشرها مركز نينغبو الدولي للتواصل يوم 4 نونبر الجاري، فقد شهد المنتدى توقيع 14 مشروعاً للتعاون. شملت مجالات التبادل الودي والاقتصاد والتجارة والعلوم والتكنولوجيا والتعليم والثقافة والسياحة. وهو ما يعكس تعدد المجالات التي يمكن أن تشكل أرضية للتعاون بين المدن المشاركة.

الدبلوماسية الترابية.. رافعة جديدة للتنمية المحلية
وتؤكد مشاركة الرشيدية في هذا الموعد الدولي أهمية الدبلوماسية الترابية باعتبارها آلية مكملة للعلاقات الرسمية بين الدول. ووسيلة لفتح قنوات مباشرة للتواصل بين المؤسسات المحلية. بما يسمح بتبادل التجارب واستكشاف فرص التعاون وفق حاجيات المدن وأولوياتها.
غير أن القيمة الحقيقية لهذه المشاركة ستظل مرتبطة بمدى القدرة على ترجمة اللقاءات والاتصالات وبروتوكول حسن النوايا إلى اتفاقية شراكة واضحة المعالم. تتضمن التزامات محددة ومشاريع قابلة للتنفيذ، مع وضع آليات للتتبع والتقييم تضمن استمرارية التعاون وتحقيق أهدافه.
وبالنسبة للرشيدية، فإن الرهان لا يقتصر على تعزيز حضورها في المحافل الدولية. بل يتجاوز ذلك إلى جعل هذا الانفتاح فرصة للتعريف بمؤهلاتها واستقطاب المبادرات الاستثمارية. والاستفادة من التجارب الدولية في تطوير الخدمات المحلية وتحسين شروط التنمية الاقتصادية والاجتماعية.
وبين الإرث التاريخي لسجلماسة، ورحلة ابن بطوطة إلى الصين، والحضور المؤسساتي للرشيدية في نينغبو. تتجدد رمزية التواصل المغربي الصيني في صورة معاصرة قوامها الحوار والتعاون وتبادل الخبرات.
وهكذا، تفتح مشاركة الجماعة الترابية للرشيدية في حوار رؤساء بلديات العالم بنينغبو 2026 نافذة جديدة على آفاق التعاون بين المدينتين. فيما يظل نجاح هذه المبادرة رهيناً بالانتقال من بروتوكول حسن النوايا إلى شراكة مؤسساتية فعلية. تجعل من التقارب الدولي رافعة للتنمية المحلية وخدمة المصالح المشتركة بين المدينتين.


