الولاة والعمال في مواجهة التنمية الترابية: فرص كبيرة ومخاطر محتملة

الولاة والعمال في مواجهة التنمية الترابية: فرص كبيرة ومخاطر محتملة

الحدث بريس..ادريس بوداش.

شهد المغرب خلال هذه الأيام سلسلة من اللقاءات والاجتماعات التي باشرها الوزراء والولاة والعمال عبر مختلف الجهات والأقاليم، وذلك في إطار برنامج التنمية الترابية المندمجة. وتجدر الإشارة إلى أن هذه اللقاءات تهدف أساساً إلى تعزيز التنمية المحلية، وتحسين الحكامة، وربط السياسات القطاعية بالتنمية الميدانية بطريقة متكاملة، حيث تسعى الحكومة إلى تلبية حاجيات المواطنين في كل جهة وإقليم على حدة، مع الأخذ بعين الاعتبار خصوصيات كل منطقة.

ويمكن القول إن هذه اللقاءات اعتمدت مقاربة تشاركية واسعة، إذ شملت المنتخبين، والمجتمع المدني، والفاعلين الاقتصاديين، والمصالح الخارجية في النقاش حول أولويات التنمية المحلية. ناهيك عن أن بعض الأقاليم لجأت إلى آليات حديثة مثل الاستمارة الرقمية، التي تسمح للساكنة بالمساهمة بشكل مباشر في تحديد الأولويات التنموية، وهو ما يعكس حرص السلطات على إشراك المواطنين في عملية صنع القرار، ويعزز من شرعية المشاريع المبرمجة.

وفي هذا السياق، ركزت اللقاءات على وضع برامج متكاملة تربط بين قطاعات حيوية مثل التعليم، الصحة، التشغيل، الخدمات الاجتماعية الأساسية، تدبير الموارد المائية، والبنية التحتية الحضرية والقروية. حيث أن هذا التوجه يهدف إلى ضمان تنمية شاملة ومتوازنة لكل جهة وإقليم، بما يسهم في تحسين جودة حياة المواطنين ويحقق التنمية المستدامة.

وتجدر الإشارة إلى أن التنمية الترابية المندمجة تعزز الحكامة المحلية عبر إنشاء لجان قيادة إقليمية ولجان تقنية متخصصة، إذ تعمل هذه اللجان على متابعة تنفيذ المشاريع وضمان مطابقتها للخطط الوطنية والجهوية. ويمكن القول إن هذه الخطوة توفر شفافية أكبر وفعالية في توجيه الموارد المالية، وتقلل من الهدر، مع ضمان أن يتم التركيز على المشاريع الأكثر جدوى وأهمية.

كما أن هذه المبادرة تستند إلى خمسة محاور استراتيجية رئيسية، وهي: التشغيل، الخدمات الاجتماعية، تدبير الموارد المائية، البنية التحتية، والتوازن الحضري-القروي. حيث أن اعتماد هذا التوجه يتيح معالجة القضايا الاجتماعية والاقتصادية بطريقة متكاملة، ويساهم في تحسين جودة الحياة، كما يعزز من الاستدامة البيئية والاقتصادية عبر ترشيد الموارد وتشجيع الاستثمار المحلي، ناهيك عن أن هذه المشاريع ترفع إشعاع المدن والأقاليم على المستويين الوطني والدولي.

ويمكن القول إن التوجيهات الملكية شكلت دعماً أساسياً لهذه المبادرة، إذ أن الالتزام الرسمي والملكـي يضمن توافق المشاريع مع الخطط الوطنية الكبرى، ويعزز الالتزام من طرف السلطات المحلية، ويمنح هذه اللقاءات قوة سياسية مهمة لتفعيل برامج التنمية المندمجة على الأرض.

إلى ذلك، لا يمكن إغفال التحديات والسلبيات التي قد تواجه هذا الورش التنموي. إذ أن أحد أبرز المخاطر يتمثل في إمكانية توظيف هذه المشاريع لأغراض انتخابية، خصوصاً مع اقتراب الاستحقاقات، وهو ما قد يحول هذه المشاريع إلى أدوات سياسية بدل أن تكون مشاريع حقيقية تخدم التنمية. كما أن التعقيدات البيروقراطية في التنسيق بين المصالح المركزية والمحلية قد تؤخر تنفيذ بعض البرامج أو تقلل من فعاليتها، خصوصاً في مرحلة التشخيص وبناء الرؤية المشتركة.

ناهيك عن أن التمويل يمثل تحدياً إضافياً، إذ أن بعض المشاريع تحتاج إلى موارد مالية كبيرة قد لا تكون متاحة دائماً، ما قد يستدعي إعادة ترتيب الأولويات أو تأجيل تنفيذ بعض البرامج. كما أن مشاركة بعض الفئات الاجتماعية، مثل القرويين والنساء والشباب، قد تكون محدودة، وهو ما يقلل من أثر التنمية على نطاق واسع. إضافة إلى ذلك، يحتاج النجاح المستدام للمشاريع إلى متابعة دقيقة وضمان تمويل مستمر، وإلا فإن المشاريع قد تبقى مجرد خطط على الورق دون أثر ملموس.

ورغم هذه التحديات، يمكن القول إن لقاءات الولاة والعمال والوزراء حول التنمية الترابية المندمجة تمثل خطوة استراتيجية إيجابية، إذ أنها تعكس الانتقال من نهج تنموي قطاعي إلى مقاربة أكثر شمولية وتكاملاً. حيث توفر هذه اللقاءات فرصة لتوحيد الجهود بين مختلف الفاعلين، وتعزيز الشراكات، وضمان مراعاة خصوصيات كل جهة وإقليم، مع التركيز على النتائج الميدانية وتحسين حياة المواطنين.

ويمكن القول كذلك إن نجاح هذه المبادرة يعتمد على متابعة دقيقة، تمويل مستدام، وحماية المشاريع من أي توظيف سياسي، وذلك لضمان تحقيق التنمية الحقيقية ورفع جودة حياة المواطنين. وعليه، تظل التنمية الترابية المندمجة فرصة حقيقية لإحداث تحول جذري في تنفيذ المشاريع المحلية، إذ تجمع بين التخطيط الاستراتيجي، المشاركة المجتمعية، الحكامة الرشيدة، والاستدامة، ناهيك عن أنها تساهم في تعزيز التنمية الاقتصادية والاجتماعية والثقافية على مستوى الجهات والأقاليم، بما يحقق أهداف التنمية المستدامة ويواكب تطلعات المواطنين نحو حياة أفضل.

أضف تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.