الجهوية المتقدمة.. حين يتحول المشروع الدستوري إلى عنوان كبير لظلم مجالي

درعة تافيلالت نموذجا لجهة تُهملها الحكومة وتستثمر فقط في صبر أهلها

مراقب سياسي10 دجنبر 2025
الجهوية المتقدمة.. حين يتحول المشروع الدستوري إلى عنوان كبير لظلم مجالي

منذ أكثر من عقد، قُدِّمت الجهوية المتقدمة في المغرب كـ”ورش ملكي إستراتيجي” و”خيار لا رجعة فيه”. كُتبت التقارير، وصِيغت القوانين، وعُقدت المناظرات، وتنافست الحكومة والأحزاب على امتداح هذا الخيار في الخطب والبرامج. لكن بعد كل هذا الضجيج، يحق لنا أن نتساءل، أين هي الجهوية المتقدمة على الأرض؟ وماذا تعني الجهوية المتقدمة لساكنة جهة درعة تافيلالت، خارج نشرات الأخبار والبلاغات الوزارية؟

من يقف اليوم على الخريطة الحقيقية للاستثمار العمومي والخاص في المغرب، لا يحتاج إلى كثير ذكاء ليلتقط الصورة: محور الرباط–الدار البيضاء–طنجة يلتهم النصيب الأوفر من المشاريع المهيكلة والبنيات التحتية الكبرى، مع امتدادات متفاوتة نحو مراكش وأكادير. مدن بموانئ عملاقة، مناطق صناعية، طرق سيارة، خطوط سكك حديثة، مناطق لوجستيكية، جامعات كبرى، مستشفيات جامعية، منصات استثمارية بكل أنواع التحفيز.

في المقابل، ثمة مغرب آخر، داخلي، حارّ صيفا، بارد شتاء، وعارٍ تنمويا على مدار السنة. مغرب لا يظهر في الإشهار المؤسساتي، ولا في الأجندات الاستثمارية الكبرى، إلا كما تُذكر “هوامش” التقارير. جهة درعة تافيلالت تجسد هذا المغرب المنسي بأوضح صورة: مساحة جغرافية شاسعة، رصيد تاريخي وثقافي وحضاري هائل، إمكانات سياحية وزراعية ومناخية وطاقية استثنائية… لكن بحصيلة تنموية مخجلة، لو قورنت بما يُضخ من ميزانيات في جهات أخرى.

المفارقة الصارخة أن الحكومة لا تتردد في توظيف صورة القصور والقصبات والواحات في ورزازات والرشيدية وزاكورة وتنغير وميدلت في الحملات الترويجية للسياحة وللهوية المغربية المتعددة؛ لكنها، حين يتعلق الأمر بتوزيع المشاريع المهيكلة أو ربط المسؤولية بالمحاسبة، تتصرف مع الجهة وكأنها مجرد “هامش انتخابي” يصلح لحشد الأصوات، لا كفضاء استراتيجي يستحق استثمارات توازي ما يُضَخّ من خطابات في حقه.

فما قيمة “الجهوية المتقدمة” لساكنة جهة يتنقل فيها المريض عشرات الكيلومترات ليجد مستشفى بإمكانيات محدودة، وأطباء بعدد أصابع اليد، وتجهيزات تفيض عطباً على قِدم؟ ما معنى الجهوية المتقدمة لشباب لا يجدون في محيطهم سوى خيارين: الهجرة نحو المدن الساحلية أو البقاء في القرى والواحات رهائن لبطالة مقنعة، وأفق غامض، وحس متزايد باللاعدالة؟

الحديث عن “العدالة المجالية” فقد معناه عندما تحولت بعض الجهات إلى “مراكز” بقرار سياسي واستثماري، وتحولت أخرى إلى “أطراف” بقدر من اللامبالاة المزمنة. درعة تافيلالت اليوم ليست ضحية الجغرافيا ولا المناخ، بل ضحية خيارات سياسية واقتصادية جعلت الحكومة تراهن على الساحل وتترك العمق لمصيره، مكتفية بالفتات: طريق هنا، مدرسة هناك، مشروع موسمي في موسم انتخابي، ومعه كثير من الكلام عن “الخصوصيات” و”التحديات” و”الجهود المبذولة”.

ما يزيد الصورة قتامة أن الجهوية المتقدمة، كما طُرحت نظريا، كان من المفترض أن تُصحّح كل هذا. كانت الوعود تتحدث عن نقل الاختصاصات، عن تمكين الجهات ماليا، عن منحها سلطة القرار في رسم أولوياتها التنموية، عن اجتذاب الاستثمار وفق رؤية مجالية منسجمة. لكن الواقع يقول شيئا آخر: مجالس جهوية بصلاحيات مقصوصة الجناح، وموارد مالية لا تسمح بقفزة نوعية حقيقية. وأجهزة مركزية تستمر في التحكم في القرارات الإستراتيجية الكبرى، وفي توجيه الاستثمارات حيث تشاء، وكيفما تشاء. وغياب إرادة سياسية واضحة لإقرار “تمييز إيجابي” لفائدة الجهات الأكثر هشاشة، ومنها درعة تافيلالت، رغم أن المنطق الدستوري والحقوقي يفرض ذلك.

في ظل هذا الوضع، تبدو الجهوية المتقدمة، بالنسبة لساكنة الجهة، مجرد ديكور دستوري أنيق يعلّق في المداخل الرسمية، بينما يستمر الواقع في إنتاج نفس المعادلات القديمة: المركز يأخذ كل شيء تقريبا، والهامش يكتفي بالصبر، وبإعادة تدوير خطاب “التهميش” جيلا بعد جيل.

لننظر إلى مؤشرات بسيطة لكنها كاشفة: أين هي المستشفيات الجامعية في درعة تافيلالت، مقارنة بما هو متوفر في جهات أخرى أقل منها هشاشة؟ وأين هي الجامعات متعددة التخصصات، والمعاهد العليا، والمراكز البحثية التي يمكن أن تستقطب عقول الجهة، وتُحوِّلها من مصدر للهجرة إلى رافعة للتنمية المحلية؟ وأين هي المناطق الصناعية واللوجستيكية الحقيقية، لا تلك التي تُعلن على الورق في انتظار ميزانية لا تأتي أو شريك لا يظهر؟ وأين موقع الجهة في مخططات الطاقات المتجددة، وهي التي تتوفر على واحد من أعلى معدلات الإشعاع الشمسي في البلاد، إن لم نقل في المنطقة بأكملها؟

ما زالت الجهة، حتى اليوم، تعيش على وقع مبادرات متناثرة، لا يجمع بينها خيط ناظم، ولا تصنع تحولا بنيويا. إصلاحات ترقيعية هنا وهناك، لا تجرؤ على كسر منطق “المغرب بسرعتين”: سرعة عالية على الساحل، وسرعة بطيئة في العمق، ممنوعة من التحاق حقيقي بالركب.

هنا بالتحديد تبرز مسؤولية الحكومة الحالية، وسابقاتها، في تكريس هذا العطب الهيكلي. فالحكومات تتغير، ولكن لغة التعامل مع الجهات الهشة لا تتغير: وعود ثقيلة، ميزانيات خفيفة. شعارات قوية، أفعال باهتة. حديث مستمر عن “المغرب المتعدد” و”أهمية العالم القروي والواحات”، مع استمرار تدفق الاستثمارات نحو نفس المحاور ونفس المدن.

لا يكفي أن تزور الوفود الوزارية درعة تافيلالت من حين لآخر، لتلتقط الصور أمام قصبات تاريخية أو مشاريع صغيرة، ثم تعود إلى الرباط وهي مطمئنة إلى أنها “أدّت الواجب”. الواجب الحقيقي اليوم هو الاعتراف بوجود فشل في تفعيل الجهوية المتقدمة كآلية لتقليص الفوارق، واتخاذ قرار سياسي واضح بالقطع مع توزيع لا عادل لثمرة الاستثمار العمومي.

قد يقول قائل: “الإمكانات محدودة، ولا يمكن الاستثمار بالقدر نفسه في كل الجهات”. هذا صحيح من حيث المبدأ، لكنه يصبح مجرد ذريعة عندما نرى مليارات تُضَخّ في مشاريع كبرى متكررة في نفس الجهات، بينما تظل مشاريع أساسية معلقة في جهات أخرى. العدالة المجالية لا تعني المساواة الحسابية، بل تعني منح الجهات المتأخرة ما يكفيها للحاق بالحد الأدنى من الخدمات والبنيات والفرص. أما الإصرار على إبقائها دائما في خانة “الأقل استفادة”، فهو ببساطة شكل ناعم من أشكال الإقصاء.

درعة تافيلالت ليست عبئا على الحكومة، بل فرصة ضائعة عليها. فرصة لبناء نموذج تنمية مختلف، قائم على السياحة المستدامة، على تثمين الواحات، على الطاقات المتجددة، على الاقتصاد الثقافي المرتبط بالموروث الأمازيغي والحضاري. لكن هذا لن يحدث ما دامت الجهة تُدار بعقلية “التصرف في الهامش”، وما دام صبر أهلها هو الاستثمار الوحيد الذي تعوّل عليه الحكومة إلى الآن.

الجهوية المتقدمة لن تستعيد معناها إلا إذا قيل بوضوح: نعم، هناك مغرب يستفيد أكثر، ومغرب يُهمّش أكثر. نعم، هناك اختيارات سياسية واقتصادية ركزت التنمية على الساحل وأدارت ظهرها للداخل. ونعم، تصحيح هذا المسار يقتضي قرارات موجعة، تبدأ من إعادة صياغة معايير توزيع الاستثمارات، وتمر عبر تقوية صلاحيات الجهات ومواردها، ولا تنتهي إلا حين يشعر شاب في درعة تافيلالت أن حظه في الحياة لا يقل موضوعيا عن حظ شاب في الدار البيضاء أو طنجة.

إلى أن يحدث ذلك، سيبقى الحديث الرسمي عن “الجهوية المتقدمة” في نظر كثيرين مجرد تسمية مخملية لواقع خشن، وعنوانا جميلا لمضمون غير عادل. وسيبقى أهل درعة تافيلالت، ومن يشبههم من أهل الجهات المنسية، يتساءلون بمرارة: هل نحن فعلا جزء من هذا المشروع، أم مجرد خلفية تراثية تزيّن صورته من بعيد؟

أضف تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.