من يسرق فرق الثمن؟.. المغاربة يدفعون غلاءً لا يفهمونه بين الحقول والوسطاء (الشناقة)

مراقب سياسي10 دجنبر 2025
من يسرق فرق الثمن؟.. المغاربة يدفعون غلاءً لا يفهمونه بين الحقول والوسطاء (الشناقة)

يخرج المواطن المغربي عند كل تسوق بقائمة مشتريات بسيطة: خضر، زيت، حليب، وشيء من اللحم إن سمح الجيب. يقترب من بائع الخضر ويسأل عن ثمن الطماطم، ثم ينتقل إلى بائع آخر فيجد سعراً مختلفاً. يمر أمام محل للحوم فيقرأ رقماً يفوق توقعاته، ثم يسمع من الجيران أن “الثمن نازل” في سوق آخر. في النهاية يعود محمّلاً بسؤال أكبر من الأكياس: لماذا تبدو الأسعار كأنها تتحرك بلا منطق؟ ولماذا يشعر الناس أن السوق “غير مفهوم”؟

هذا الإحساس ليس وهماً نفسياً فقط، بل هو نتيجة تركيبة معقدة تجمع بين تعدد الوسطاء (الشناقة)، وضعف المعلومة، وتكاليف خفية تتراكم على طول سلسلة التوريد، إضافة إلى سلوكيات مضاربية تستغل لحظات الندرة وارتباك المستهلك.

من الحقل إلى المائدة: رحلة طويلة بسعر متغيّر

السلعة في المغرب، خصوصاً المواد الطازجة، لا تنتقل من المنتج إلى المستهلك بخط مستقيم. في كثير من الحالات تبدأ القصة بفلاح صغير يبيع إنتاجه في الضيعة أو عبر وسيط محلي. ثم تنتقل السلع إلى نقطة تجميع، وبعدها إلى سوق جملة، ثم إلى تاجر نصف جملة، ثم إلى بائع بالتقسيط في الحي. كل حلقة تضيف هامش ربح، وقد تضيف أيضاً تكلفة نقل وتبريد وتلف، ومع كل إضافة تصبح معرفة “السعر الحقيقي” أصعب.

الفلاح، في حالات كثيرة، لا يملك قوة تفاوضية كبيرة: إنتاجه قابل للتلف، والتخزين يحتاج إمكانيات، والوصول المباشر للمستهلك غير متاح دائماً. فيبيع بسرعة لتفادي الخسارة. في المقابل، من يملك القدرة على التجميع والتمويل والنقل يستطيع أن ينتظر، يختار توقيت العرض، ويوزع الكميات بما يرفع هامش الربح. هنا يظهر دور الوسطاء (الشناقة) ليس بوصفه “شرّاً مطلقاً”، بل كواقع اقتصادي له وظائفه، لكنه يصبح مشكلة حين تتحول بعض حلقاته إلى بوابات احتكار أو تسعير غير مبرر.

الوسطاء (الشناقة): بين ضرورة السوق و”الغموض” الذي يصنعه تعدد الحلقات

وجود الوسيط في حد ذاته ليس استثناءً؛ فهو يقوم بوظائف يحتاجها السوق: تجميع الإنتاج الصغير، ضمان التزويد اليومي، نقل السلع بين مناطق بعيدة، وتمويل عمليات شراء سريعة. لكن حين تتضخم سلسلة الوساطة، يصبح كل وسيط سبباً إضافياً للتباين، وتصبح الفاتورة النهائية رهينة تفاوضات لا يراها المواطن.

الأمر يشبه عدّاداً لا يعرف المستهلك كيف يشتغل: يعلم أن السعر يرتفع، لكنه لا يرى بدقة أين ارتفع ولماذا. هل بسبب النقل؟ أم بسبب التلف؟ هل بسبب ارتفاع كلفة الأعلاف؟ أم بسبب مزاج السوق والإشاعة التي تنتشر بسرعة أكبر من المعلومة الدقيقة؟

لماذا تختلف الأسعار من متجر إلى آخر في نفس الشارع؟

حين يقول المواطن إن السوق غير مفهوم، فهو غالباً يشتكي من الفوارق القريبة جداً: نفس السلعة، نفس اليوم، نفس الحي… ومع ذلك الأسعار متعددة. هذا يحصل لأسباب عملية، وأخرى مرتبطة بغياب الشفافية.

هناك اختلافات حقيقية: بائع يشتري من سوق جملة مختلف، أو يملك مخزوناً اشتراه بسعر أعلى في يوم سابق، أو يتحمل كراءً مرتفعاً وفواتير تبريد وخسائر تلف أكبر. وفي المقابل قد يستفيد بائع آخر من قربه من نقطة التزويد أو من حجم شراء أكبر يمنحه ثمناً أفضل.

لكن جزءاً من الفارق يتغذى من غياب مرجع واضح للسعر. في أسواق كثيرة لا توجد “لوحة أسعار مرجعية” يومية تصل للمستهلك بشكل مبسط ومقنع. وحين تختفي المرجعية، يصبح التسعير أقرب إلى تقدير شخصي يعتمد على الزحام، وحالة الطلب، وقدرة الزبون على التفاوض، وأحياناً على “سمعة السلعة” في ذلك اليوم.

عندما تتحول المعلومة إلى سلعة: إشاعات السوق تسبق الحقائق

الأسعار في المواد الغذائية لا تتحرك فقط بالعرض والطلب، بل أيضاً بالمعلومة. إشاعة عن نقص مرتقب في سلعة ما قد ترفع الطلب عليها في ساعات، فتدفع التجار إلى رفع الثمن “احتياطاً”. خبر عن موجة برد أو جفاف قد يصبح مبرراً جاهزاً قبل أن يظهر أثره الحقيقي. ومع انتشار الفيديوهات والمنشورات، يعيش المستهلك تحت ضغط “المقارنة” دون معرفة سياق كل سعر: هل هو سعر سوق جملة؟ أم سعر تقسيط؟ هل يشمل الجودة نفسها؟ هل هو في مدينة أخرى؟

وفي غياب منصة موثوقة ومفهومة للمعلومة السعرية، يصبح المواطن كمن يقرأ السوق من خلال الضباب. وهذا الضباب هو ما يصنع الإحساس بأن السوق يتحرك بمعادلات غير عادلة أو غير قابلة للفهم.

التكاليف الخفية التي لا تُرى في الواجهة

حتى حين يكون هامش الربح “معقولاً”، هناك تكاليف تتراكم بطريقة لا يراها المستهلك: النقل بين المدن، الوقود، رسوم الدخول إلى بعض الأسواق، كلفة التخزين والتبريد، التلف أثناء الشحن، أجور العمال، الكراء، ثم تمويل الشراء السريع الذي قد يتم بالدين أو بالدفع المسبق. كل هذا يتجسد في رقم واحد على لافتة صغيرة.

المشكلة أن هذه التكاليف لا تُشرح للمستهلك ولا تُقدَّم ضمن سياق يوضح لماذا يصبح الفرق كبيراً بين ثمن الإنتاج وثمن البيع النهائي. وفي غياب الشرح، يتحول الفرق تلقائياً إلى “نهب” في المخيال الشعبي، حتى لو كان جزء منه ناتجاً عن واقع لوجستي قاسٍ.

المضاربة والاحتكار الجزئي: حين تصبح الندرة فرصة

في بعض الحالات، تتجاوز المسألة التكاليف إلى ممارسات تقترب من المضاربة: تخزين سلع معينة لفترة قصيرة لرفع السعر، التحكم في العرض داخل منطقة بعينها، أو استغلال فترات الذروة (الأعياد، بداية المدارس، موجات البرد) لرفع الأثمان بسرعة. ولا يحتاج هذا إلى “احتكار كبير” كي يترك أثراً؛ يكفي أن تتصرف مجموعة صغيرة بطريقة متشابهة داخل سوق محدود، حتى يشعر المستهلك أن الأسعار ترتفع ككتلة واحدة.

وهنا يتقاطع دور الرقابة مع دور تنظيم السوق. لأن المواطن لا يميز بين “ارتفاع طبيعي” و”ارتفاع مصطنع”، وكل ارتفاع يتحول في نظره إلى دليل إضافي على أن السوق لعبة مغلقة.

لماذا يدفع الفلاح أحياناً ثمن الغلاء أيضاً؟

من المفارقات التي تزيد الإحساس باللاعدالة أن الغلاء لا يعني دائماً ربحاً للفلاح. فقد ترتفع الأسعار عند التقسيط بينما يبقى ثمن البيع عند المصدر ضعيفاً بسبب وفرة مؤقتة في منطقة ما، أو بسبب تحكم الوسطاء (الشناقة) في الشراء، أو بسبب ضعف قدرة الفلاح على التخزين والنقل. فتظهر معادلة مربكة: المستهلك غاضب لأنه يدفع كثيراً، والمنتج متذمر لأنه لا يستفيد. وبين الاثنين حلقة—أو حلقات—تلتقط القيمة.

كيف يصبح السوق “مفهوماً”؟ ثلاثة مفاتيح للوضوح

أولاً: شفافية المعلومة السعرية. حين يعرف المواطن أسعار الجملة اليومية بشكل مبسط ومتاح، يستطيع تقييم السعر بالتقسيط بشكل أعدل. فالشفافية لا تمنع الغلاء، لكنها تقلص مساحة التلاعب، وتحد من التسعير المزاجي.

ثانياً: تقليص الحلقات حيثما أمكن. دعم قنوات بيع مباشرة أو شبه مباشرة (تعاونيات، منصات توزيع، أسواق منظمة للمنتج، اتفاقات تزويد للمتاجر) لا يلغي الوسطاء (الشناقة)، لكنه يقلل تضخم السلسلة ويعيد جزءاً من القيمة للمنتج والمستهلك معاً.

ثالثاً: تنظيم فعّال مع رقابة ذكية. فالرقابة التقليدية على “الملصق” وحدها لا تكفي. ما يحتاجه السوق هو تتبع سلاسل التوزيع، رصد التخزين غير المبرر، ومراقبة ممارسات تقييد العرض، مع محاسبة واضحة حين تثبت المخالفات.

السوق لا يحتاج إلى معجزة… بل إلى ضوء

السبب الأعمق لشعور المواطن بأن السوق غير مفهوم ليس فقط أن الأسعار مرتفعة، بل أن منطقها غير مرئي. كلما غابت المعلومة الموثوقة، وتضخمت حلقات الوساطة، وتداخلت التكاليف بالمضاربة، صار السعر كأنه قرار سري لا نتيجة طبيعية لاقتصاد يتنفس.

ولأن الغذاء ليس سلعة عادية في حياة الأسر، فإن الغموض هنا يتحول إلى قلق يومي. لذا فإن جعل السوق مفهوماً ليس ترفاً تواصلياً، بل شرط من شروط الثقة: ثقة المستهلك في عدالة التداول، وثقة المنتج في أن جهده لا يضيع، وثقة المجتمع في أن “الثمن” ليس لغزاً، بل رقم له قصة واضحة يمكن تتبعها من الحقل حتى المائدة.

أضف تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.