أعاد الزعيم الأعلى الإيراني آية الله علي خامنئي إشعال الجدل السياسي والدولي، بعدما وجه اتهاما مباشرا للرئيس الأمريكي دونالد ترامب بالمسؤولية عن الاحتجاجات الدامية التي شهدتها إيران خلال الأسابيع الماضية، والتي خلفت، وفق منظمات حقوقية، أكثر من ثلاثة آلاف قتيل. ولم يكن هذا الاتهام مجرد رد فعل عابر على تطورات داخلية، بل جاء ليعكس عمق الصراع المفتوح بين طهران وواشنطن، ويكشف في الآن ذاته عن معركة سرديات تدور في موازاة الاحتجاجات على الأرض.
احتجاجات الداخل… وسؤال المسؤولية
واندلعت الاحتجاجات في إيران على خلفيات اجتماعية واقتصادية وسياسية متراكمة. سرعان ما تحولت إلى موجة غضب واسعة شملت عدة مدن ومناطق. ومع تصاعد حدتها، لجأت السلطات إلى مقاربة أمنية صارمة. أثارت انتقادات حادة من منظمات حقوق الإنسان التي تحدثت عن سقوط آلاف الضحايا. وفي خضم هذا المشهد المتوتر، برز سؤال محوري: من يتحمل المسؤولية عمّا جرى؟ بالنسبة للقيادة الإيرانية، لا يمكن فصل ما يحدث داخليًا عن ما تعتبره “تدخلًا خارجيًا ممنهجًا”، تقوده الولايات المتحدة بهدف زعزعة الاستقرار وإضعاف النظام.
خامنئي يوسع دائرة الاتهام
ولم يكتفِ خامنئي، في خطابه، بإدانة الاحتجاجات أو تبرير القمع. بل ذهب أبعد من ذلك حين وصف ترامب بـ”المجرم”، معتبرا إياه مسؤولا عن “القتلى والأضرار وتشويه سمعة الأمة الإيرانية”. هذا التصعيد في اللغة يعكس انتقال الخطاب الإيراني من الدفاع إلى الهجوم، ومن التركيز على الداخل إلى توجيه أصابع الاتهام مباشرة إلى واشنطن، في محاولة لإعادة تأطير الأزمة باعتبارها صراعا سياديا لا مجرد اضطرابات داخلية.
صراع الروايات بين طهران وواشنطن
وترى الولايات المتحدة أن الاحتجاجات تعبير عن غضب شعبي مشروع ضد السياسات الداخلية للنظام الإيراني. وتؤكد دعمها لما تصفه بـ”حق الإيرانيين في الحرية والتعبير”. وهنا يتجسد صراع الروايات بوضوح: – رواية إيرانية تعتبر ما يحدث مؤامرة خارجية وأداة ضغط سياسي. ورواية أمريكية وغربية ترى في الاحتجاجات انعكاسًا لأزمة حكم وشرعية داخلية. وبين هاتين الروايتين، تضيع الحقيقة الكاملة، بينما يدفع الشارع الإيراني الثمن الأكبر.
القمع والشرعية تحت المجهر
وأعاد عدد الضحايا المعلن عنه تسليط الضوء على أسلوب تعامل السلطات الإيرانية مع الاحتجاجات. ومدى تأثير ذلك على شرعيتها الداخلية والدولية. فكلما ارتفعت كلفة القمع، زادت الضغوط الحقوقية والدبلوماسية على طهرانو واشتدت الدعوات لمساءلتها في المحافل الدولية. وفي هذا السياق، يبدو اتهام ترامب محاولة لتحويل الأنظار عن الانتقادات الداخلية. وإعادة توحيد الجبهة الداخلية حول “عدو خارجي”.
أبعاد إقليمية ودولية للتصعيد
ولا يمكن فصل خطاب خامنئي عن السياق الإقليمي والدولي الأوسع. إذ يتجاوز التوتر القائم بين إيران والولايات المتحدة الإطار الداخلي ليشمل ملفات النووي والعقوبات والنفوذ الإقليمي. ويفهم تحميل ترامب مسؤولية إراقة الدماء في هذا السياق كرسالة سياسية موجهة إلى الخارج. مفادها أن أي تصعيد ضد طهران ستكون له تداعيات داخلية وإقليمية.
إلى أين يتجه المشهد؟
ويبقى السؤال المطروح: هل يؤدي هذا التصعيد في الخطاب إلى تهدئة داخلية عبر شد العصب القومي، أم يزيد من حدة العزلة والضغوط؟ المؤكد أن الاحتجاجات كشفت هشاشة التوازن بين السلطة والمجتمع، وأن تبادل الاتهامات بين طهران وواشنطن لن يغير من واقع معاناة الإيرانيين على الأرض. وفي ظل استمرار صراع السرديات، يبدو أن الأزمة الإيرانية لم تعد مجرد احتجاجات، بل تحولت إلى ساحة مواجهة سياسية مفتوحة، تتقاطع فيها حسابات الداخل مع رهانات الخارج. ويظل فيها المواطن العادي الحلقة الأضعف في معادلة الدم والسياسة.















