عندما يلتقي الذكاء الاصطناعي بالتربة: «سينونغ» الصيني يفتح فصلا جديدا في الزراعة الذكية

الحدث بريس14 يناير 2026
الذكاء الاصطناعي والتربة: «سينونغ» الصيني يفتح فصلا جديدا في الزراعة الذكية

أعلنت جامعة نانجينغ للزراعة بالصين عن إطلاق نموذجها اللغوي الكبير العمودي والمفتوح المصدر «سينونغ». في خطوة تعكس تحولا استراتيجيا في كيفية توظيف الذكاء الاصطناعي لخدمة الأمن الغذائي والتنمية الفلاحية المستدامة. ففي خضم التسارع التكنولوجي العالمي، لم يعد الذكاء الاصطناعي حكرا على الصناعة أو الخدمات الرقمية. بل بات يتسلل، وبخطى ثابتة، إلى أكثر القطاعات ارتباطا بحياة الإنسان: الزراعة. ومن هذا المنطلق تحديدا،

«سينونغ»… أكثر من مجرد نموذج لغوي

ويعد نموذج “سينونغأول تجربة صينية مفتوحة المصدر تصمم عموديا لتلبية احتياجات المجال الفلاحي. وهو ما يمنحه خصوصية مقارنة بالنماذج العامة التي تفتقر غالبا إلى العمق التخصصي.

حيث لا يمكن النظر إلى «سينونغ» باعتباره مجرد نموذج لغوي كبير. بل هو مشروع علمي متكامل موجه خصيصا لقطاع الزراعة العامة.
ويعد إطلاق هذا النموذج يمثل، من جهة، إنجازا بحثيا في مجال نماذج الذكاء الاصطناعي الأساسية، ومن جهة أخرى، أداة تطبيقية قابلة للتوظيف المباشر في مختلف فروع الزراعة.

قاعدة بيانات ضخمة… ذكاء يتغذى على المعرفة

ويستمد «سينونغ» قوته من البنية المعرفية الهائلة التي جرى تدريبه عليها. فقد اعتمد النموذج على مجموعة واسعة ومنظمة من البيانات الزراعية المتخصصة. شملت مجالات متعددة، من بينها علم الحيوان، والاقتصاد والإدارة الفلاحية، والموارد والبيئة الزراعية، والبستنة، والزراعة الذكية، والطب البيطري، وحماية النباتات، وتكاثر المحاصيل. وفوق ذلك، جرى تزويد النموذج بمضامين مستخلصة من: 9000 كتاب متخصص وأكثر من 240 ألف ورقة أكاديمية، كذلك حوالي 20 ألف وثيقة سياساتية ومعيارية، إضافة إلى كمّ واسع من المعارف المفتوحة على الإنترنت. وبالتالي، فإن «سينونغ» لا يعتمد فقط على البيانات، بل على تراكم معرفي تاريخي وعلمي ممنهج.

دلالة الاسم… حين يستحضر الذكاء الاصطناعي التاريخ

واختارت جامعة نانجينغ للزراعة تسمية النموذج بـ«سينونغ»، وهو اسم مستوحى من المسؤولين الصينيين القدماء الذين كانوا يشرفون على شؤون الزراعة والمالية.

ويتضح أن المشروع لا يهدف فقط إلى الابتكار التكنولوجي. بل يسعى أيضًا إلى ربط الحداثة الرقمية بالإرث الحضاري الصيني. في محاولة لإضفاء بُعد ثقافي وفلسفي على الذكاء الاصطناعي.

رابعا: الانفتاح المصدرّي… استراتيجية لا خيار

وأعلنت الجامعة أن «سينونغ» أصبح متاحًا بالكامل على منصات مفتوحة مثل «موديل سكوب» و«غيت هاب».
وهنا بالذات. تبرز أهمية الرهان على المصدر المفتوح، إذ لا يقتصر الهدف على مشاركة النموذج، بل يتجاوز ذلك إلى: تقليل الحواجز التقنية أمام استخدام الذكاء الاصطناعي في الزراعة، وتمكين معاهد البحث والمؤسسات والشركات الناشئة، وفتح المجال أمام التطوير الثانوي والابتكار المشترك، وبعبارة أخرى، فإن «سينونغ» لا يُقدَّم كمنتج مغلق، بل كنواة لمنظومة تعاونية واسعة.

خامسا: الزراعة الذكية… من التنظير إلى التطبيق

ويعد القطاع الفلاحي من أكثر القطاعات تأثرا بتغير المناخ، وضغط الموارد، وتزايد الطلب الغذائي.
ومن ثم، يمكن توظيف «سينونغ» في: دعم اتخاذ القرار الفلاحي، وتحليل البيانات المناخية والتربوية، وتحسين الإنتاجية، وتطوير نظم الإنذار المبكر للأمراض الزراعية، وبذلك، ينتقل الذكاء الاصطناعي من كونه أداة تحليل إلى شريك فعلي في إدارة الحقول.

سادسا: أبعاد استراتيجية تتجاوز الصين

وعلى الرغم من أن المشروع صيني المنشأ، فإن طابعه المفتوح المصدر يمنحه بعدا عالميا. فالدول النامية، التي تعاني من ضعف البحث الزراعي وقلة الموارد، قد تجد في «سينونغ» فرصة ثمينة للاستفادة من الذكاء الاصطناعي دون كلفة باهظة، وهو ما قد يساهم في تقليص الفجوة الرقمية في المجال الفلاحي. ومن هنا، يتحول النموذج من إنجاز وطني إلى أداة ذات تأثير دولي محتمل.

مستقبل الزراعة يكتب بالخوارزميات

ويمثل إطلاق «سينونغ» محطة مفصلية في مسار دمج الذكاء الاصطناعي بالزراعة. فبين قاعدة معرفية ضخمة، وانفتاح مصدرّي، وتوجه استراتيجي نحو الزراعة الذكية، تضع الصين لبنة جديدة في بناء منظومة غذائية أكثر ذكاءً واستدامة. وإذا كان القرن الماضي قد شهد ثورات زراعية قائمة على المكننة والأسمدة، فإن القرن الحالي يبدو، بوضوح. متجهًا نحو ثورة من نوع آخر… ثورة تدار بالبيانات، وتحصد بالذكاء الاصطناعي.

أضف تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.