تحول في الموقف الأمريكي؟ ترامب يراهن على “حكومة التكنوقراط” لإدارة غزة في مرحلة ما بعد الحرب

الحدث بريس16 يناير 2026
تحول في الموقف الأمريكي؟ ترامب يراهن على “حكومة التكنوقراط” لإدارة غزة في مرحلة ما بعد الحرب

أعاد إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب دعمه لـ“حكومة التكنوقراط الفلسطينية المشكلة حديثا” في غزة خلط الأوراق في مشهد سياسي شديد التعقيد. يتقاطع فيه الأمن بالسياسة، والإغاثة بإعادة الإعمار، والحسابات الإقليمية بالرهانات الدولية. وجاء هذا الموقف في لحظة دقيقة. تزامنا مع إعلان واشنطن إطلاق المرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار، الذي دخل حيز التنفيذ منذ أكتوبر الماضي. لكنه لا يزال هشا وقابلا للانهيار في أي وقت.

دلالة التوقيت: ما بعد السلاح وليس بعد الصراع

ويحمل توقيت تصريح ترامب دلالات سياسية عميقة. إذ يأتي في مرحلة انتقالية لم تحسم فيها بعد ملامح “اليوم التالي” في غزة. فالحديث عن حكومة تكنوقراط لا ينفصل عن سعي أمريكي واضح لفصل إدارة القطاع عن الفصائل المسلحة. والانتقال من منطق الحرب والاحتواء الأمني إلى منطق الإدارة المدنية المؤقتة، في انتظار تسوية سياسية أشمل. ومن هذا المنطلق. يبدو أن واشنطن تحاول الدفع بنموذج “إدارة انتقالية غير فصائلية”. تتولى تسيير الشؤون اليومية لسكان غزة، وتنسّق المساعدات الإنسانية، وتشرف لاحقا على إعادة الإعمار، دون الانخراط المباشر في الصراع السياسي الفلسطيني الداخلي.

حكومة تكنوقراط: حل واقعي أم تسوية مؤقتة؟

ويرى أنصار هذا الطرح أن حكومة التكنوقراط تمثل مخرجا عمليا من مأزق الانقسام، باعتبارها حكومة كفاءات غير حزبية. تعفى – نظريا – من الصراعات الإيديولوجية، وتمنح هامشا لإدارة الملفات التقنية والإنسانية العاجلة. غير أن هذا التصور يصطدم بواقع سياسي معقد، حيث لا يمكن فصل الإدارة عن الشرعية، ولا الشرعية عن التمثيل الشعبي. ففي السياق الفلسطيني، لا تزال مسألة “من يحكم غزة” مرتبطة بتوازنات داخلية حساسة، وبموقف الفصائل، وبالشرعية الوطنية، فضلًا عن ارتباطها الوثيق بالضفة الغربية وبمستقبل السلطة الفلسطينية ككل.

رسائل إلى الإقليم: واشنطن تبحث عن شريك قابل للتسويق

ويحمل موقف ترامب رسائل واضحة إلى الفاعلين الإقليميين والدوليين. مفادها أن الولايات المتحدة تسعى إلى صيغة “مقبولة دوليا” لإدارة غزة. يمكن تسويقها سياسيا، وضمان دعم مالي لها، خصوصا من الدول المانحة. كما يعكس هذا الطرح رغبة أمريكية في تفادي سيناريوهات أكثر تعقيدا، مثل الإدارة العسكرية المباشرة، أو ترك فراغ سياسي قد يعيد إنتاج الفوضى. وفي هذا الإطار، يبرز الرهان على دور “اللجنة الوطنية لإدارة غزة”، المدعومة من المجلس الأعلى، كآلية انتقالية ترضي أطرافا دولية، دون أن تغضب – نظريا – الأطراف الفلسطينية بشكل مباشر.

الهشاشة الأمنية…العائق الأكبر

ولا يزال وقف إطلاق النار، رغم دخوله مرحلته الثانية، هشا، وتعرضه للاهتزاز في أي لحظة يضعف فرص استقرار أي حكومة انتقالية. كما أن غياب توافق فلسطيني واسع قد يحول حكومة التكنوقراط إلى مجرد واجهة إدارية محدودة الصلاحيات، تفتقر إلى النفوذ الفعلي على الأرض.

بين الدعم السياسي والواقع الميداني

ويطرح إعلان ترامب سؤالا جوهريا: هل يكفي الدعم الأمريكي لفرض واقع سياسي جديد في غزة؟ أم أن التجارب السابقة تثبت أن أي حل لا ينبع من توافق فلسطيني داخلي محكوم عليه بالتعثر؟ فالتاريخ القريب للقطاع يظهر أن الحلول المفروضة من الخارج غالبا ما تصطدم بجدار الواقع الاجتماعي والسياسي.

خلاصة المشهد

ويعتبر دعم ترامب لحكومة التكنوقراط الفلسطينية محاولة أمريكية لإدارة مرحلة انتقالية شديدة الحساسية، دون الغوص في جذور الصراع. غير أن هذا الخيار، رغم واقعيته الظاهرية، يظل محفوفا بتحديات كبرى، تتراوح بين هشاشة الأمن، وتعقيدات الشرعية، وحدود القبول الداخلي. وبين الرهان على التكنوقراط كحل مؤقت، والبحث عن تسوية سياسية شاملة، تبقى غزة أمام مفترق طرق جديد، حيث لا يكفي إعلان الدعم السياسي، ما لم يترجم إلى مسار متكامل يوازن بين الإدارة، والشرعية، والاستقرار، وحق الفلسطينيين في تقرير مصيرهم.

أضف تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.