قد تبدو عملية حجز شحنة من اللحوم الفاسدة مجرد خبر محلي عابر، لكن إحباط الدرك الملكي بالبرادية لترويج حوالي 150 كيلوغراما من اللحوم غير الصالحة للاستهلاك. يكشف عن واقع مقلق يتجاوز حدود الواقعة نفسها. فالحادثة تسلط الضوء على شبكة معقدة من الاختلالات المرتبطة بالذبح السري، ضعف المراقبة، وهشاشة الوعي الصحي. في وقت أصبحت فيه سلامة الغذاء إحدى ركائز الأمن الصحي الوطني.
الذبح السري… اقتصاد خفي على حساب صحة المواطنين
يعد الذبح السري من أخطر الظواهر التي تهدد السلامة الغذائية بالمغرب، حيث ينشط خارج الإطار القانوني، بعيدا عن المراقبة البيطرية والشروط الصحية. ويجد هذا النشاط غير المشروع تربة خصبة في: ارتفاع أسعار اللحوم القانونية، وضعف القدرة الشرائية للمواطنين، وسعي بعض الجزارين لتحقيق أرباح سريعة، ثم نقص المجازر العصرية في بعض المناطق القروية
هذا “الاقتصاد الخفي” لا يراعي أدنى شروط السلامة، ويحوّل اللحوم من مادة غذائية إلى مصدر محتمل للأوبئة والتسممات.
المخاطر الصحية… ثمن يدفعه المستهلك
اللحم غير الخاضع للمراقبة البيطرية قد يكون حاملاً لأمراض خطيرة مثل:
التسممات البكتيرية (السالمونيلا، الإيكولاي)
الطفيليات والديدان أمراض مشتركة بين الإنسان والحيوان
وغياب سلسلة التبريد، كما في الحالة التي تم ضبطها، يسرّع من تعفّن اللحوم وتكاثر الجراثيم، ما يجعل استهلاكها خطرًا حقيقيًا، خاصة على الأطفال وكبار السن وذوي المناعة الضعيفة.
من النقل إلى البيع… سلسلة خروقات
تكشف هذه الواقعة أن الخلل لا يقتصر على الذبح فقط، بل يمتد عبر، نقل اللحوم في وسائل غير مخصصة، وتخزينها في ظروف غير صحية، وعرضها للبيع دون أي وثائق قانونية
وهو ما يطرح تساؤلات جدية حول مدى التزام بعض المهنيين بالقانون، وحول نجاعة آليات التتبع والمراقبة على طول سلسلة التوزيع.
دور الدرك الملكي… ما وراء التدخل الأمني
كما تؤكد العملية النوعية التي نفذها الدرك الملكي بالبرادية أن المقاربة الأمنية تظل عنصرًا حاسمًا في محاربة هذه الظواهر. فالدوريات الروتينية لم تعد مجرد إجراء شكلي، بل تحولت إلى آلية وقائية لحماية الصحة العامة، ووسيلة ردع للمخالفين وأداة لتجفيف منابع الذبح السري
غير أن هذا الدور، رغم أهميته، لا يمكن أن يكون بديلاً عن حلول بنيوية مستدامة.
المسؤولية المشتركة… من الدولة إلى المواطن
محاربة ترويج اللحوم الفاسدة مسؤولية جماعية تتقاسمها عدة أطراف: الدولة: عبر توفير مجازر مؤهلة، تشديد العقوبات، وتعزيز المراقبة. ثم الجماعات المحلية: بتنظيم الأسواق وتتبع المحلات، فالمهنيون: الالتزام بأخلاقيات المهنة، بالاضافة إلى المواطنون: بعدم الانسياق وراء الأسعار المنخفضة المشبوهة. فالمستهلك الواعي هو خط الدفاع الأول عن صحته.
نحو مقاربة وقائية شاملة
الحد من هذه الظاهرة يتطلب: تحديث البنية التحتية للمجازر. وإدماج الرقمنة في تتبع مسار اللحوم، كذلك حملات تحسيسية حول مخاطر الذبح السري، مما يتطلب تنسيقا أكبر بين الدرك، المكتب الوطني للسلامة الصحية، والجماعات الترابية دون ذلك، ستظل هذه العمليات مجرد “إطفاء لحرائق” متكررة.
الأمن الغذائي ليس رفاهية
حادثة البرادية ليست استثناءً، بل مؤشرًا على تحد حقيقي يمس الأمن الغذائي والصحي للمواطنين. فالغذاء الآمن حق أساسي، وليس امتيازًا. وأي تساهل في هذا المجال هو مقامرة بصحة المجتمع ككل.
وفي ظل التحولات الصحية والاقتصادية الراهنة، يصبح التصدي للذبح السري وترويج اللحوم الفاسدة معركة صامتة، لكنها مصيرية.















