تعيش المنظومة الصحية في المغرب مفارقة صارخة ما بين خطاب رسمي يتحدث عن “إصلاح شامل للمنظومة الصحية” وإطلاق ورش تعميم الحماية الاجتماعية، وبين واقع يومي يشهد على اكتظاظ المستشفيات ونقص الأطر والخصاص في التجهيزات، مما يجعل سؤال: “أين تتعثر الإصلاحات؟” سؤالا ملحا أكثر من أي وقت مضى. وفي قلب هذه المفارقة، يبرز المستشفى الجهوي مولاي علي الشريف بالرشيدية كحالة اختبار حقيقية لمدى قدرة الحكومة على تحويل الوعود إلى خدمات ملموسة، خاصة في جهة هشة مجاليا مثل درعة تافيلالت.
مشهد وطني مضغوط: أرقام لا تشبه شعارات الإصلاح
تؤكد تقارير وطنية ودولية متطابقة أن المغرب لا يزال بعيدا عن المستويات الدنيا من الموارد البشرية الصحية التي توصي بها منظمة الصحة العالمية، رغم بعض التقدم في توسيع البنيات خلال العقد الأخير. وأظهرت دراسة حديثة حول اتجاهات الموارد البشرية الصحية أنه في سنة 2023 لم يتجاوز عدد الأطباء 0.80 طبيب لكل 1000 نسمة، مقابل 1.03 ممرضة أو قابلة لكل 1000 نسمة، أي أقل بكثير من المرجع الدولي البالغ 1.72 طبيبا و4.5 ممرضا/قابلة لكل 1000 نسمة.
وسجل المجلس الأعلى للحسابات بدوره أن مجموع الأطر الصحية (أطباء، ممرضين، مروضين…) في نهاية 2021 لم يتعد 1.64 إطارا لكل 1000 نسمة، بينما تشترط أهداف التنمية المستدامة عتبة لا تقل عن 4.45 إطارا لكل 1000 نسمة لتحقيق تغطية صحية منصفة. هذه الأرقام لا تعكس فقط نقصا عدديا، بل أيضا توزيعا ترابيا غير عادل، إذ تتركز نسبة مهمة من الأطباء والأخصائيين في محور الرباط–الدار البيضاء–مراكش–فاس، فيما تعاني جهات داخلية وقروية من خصاص حاد في أبسط التخصصات.
وخلصت دراسة حول تحديات الموارد البشرية في الصحة بالمغرب إلى أن المشكل ليس في الأعداد وحدها، بل كذلك في هجرة الأطر نحو الخارج، وتفضيل القطاع الخاص داخل المدن الكبرى، وشيخوخة جزء من القوة العاملة الصحية، مما يهدد بتفاقم الخصاص خلال السنوات المقبلة ما لم تُراجع سياسات التكوين والتوزيع والتحفيز جذريا.
درعة تافيلالت: هشاشة صحية فوق هشاشة مجالية
تُعد جهة درعة تافيلالت واحدة من أوسع الجهات مساحة وأقلها كثافة سكانية، وتضم أقاليم ذات طبيعة قروية وواحية وجبلية، ما يجعل الولوج إلى الخدمات الصحية تحديا يوميا لآلاف المواطنين. وأشارت دراسات حول خريطة العرض الصحي في الجهات إلى أن درعة تافيلالت توجد ضمن المناطق الأضعف من حيث عدد الأطباء والممرضين لكل ساكن، ومن حيث كثافة المراكز الصحية والمستشفيات مقارنة بالمساحة الجغرافية وبعد الدواوير والقرى.
وسجل التقرير نفسه أن العديد من الجماعات لا تتوفر سوى على مستوصفات صغيرة بمورد بشري محدود، أو مراكز صحية تفتح بنظام حراسة جزئي، مما يضطر المرضى إلى قطع عشرات الكيلومترات للوصول إلى الرشيدية أو مدن أخرى قصد الاستشفاء أو الفحوصات المتخصصة. وفي هذا السياق، يصبح المستشفى الجهوي مولاي علي الشريف بمثابة “عنق الزجاجة” الذي تمر منه أغلب الحالات المعقدة القادمة من الأقاليم الخمسة للجهة، مع ما يعنيه ذلك من ضغط مستمر على طاقته الاستيعابية وعلى موارده البشرية والتقنية.
مولاي علي الشريف قبل التوسعة: “جسد مريض” يختزل أعطاب المنظومة
قبل إطلاق برنامج التوسعة وإعادة التهيئة خلال السنوات الأخيرة، رسمت بعض التحقيقات الصحفية الوطنية صورة قاتمة عن وضع المستشفى الجهوي مولاي علي الشريف. حيث وصف أحد هذه التقارير المؤسسة بأنها “جسد مريض” يعاني من تقادم البنيات، واكتظاظ الأقسام، ونقص الأطر، وطول المواعيد، وتوتر مزمن بين المرتفقين والأطقم الصحية بسبب الضغط وسوء ظروف الاستقبال.
وتحدثت شهادات مرضى وأسرهم وثقتها تلك التقارير عن أسِرّة غير كافية في بعض الأقسام، وأجنحة تضطر إلى استقبال مرضى يفوقون طاقتها، وحالات تُحوَّل إلى مستشفيات فاس ومكناس والرباط لغياب تخصصات معينة أو انعدام أسرة إنعاش متاحة في لحظة الحاجة. هذه الصورة لم تكن استثناء محليا بقدر ما كانت انعكاسا لنمط متكرر في عدة مستشفيات جهوية وإقليمية بالمغرب، حيث تتقاطع أعطاب الخصاص البشري وضعف التجهيز مع ثقل الطلب الاجتماعي على العلاج العمومي.
التوسعة: مشروع ضخم على الورق
في مواجهة هذا الوضع، أطلقت وزارة الصحة والحماية الاجتماعية مشروع توسعة وتأهيل عميق للمستشفى الجهوي مولاي علي الشريف، جرى الإعلان عن دخول خدماته الجديدة حيز الاستغلال ضمن حزمة من البنيات الصحية التي دشنت بالرشيدية والمناطق المجاورة.
المعطيات الرسمية تفيد أن المستشفى، في شكله الحالي بعد التوسعة، بُني على مساحة مغطاة تناهز 13.864 متر مربع، ويستهدف خدمة ساكنة تُقدَّر بنحو مليوني نسمة من إقليم الرشيدية وباقي أقاليم الجهة. الطاقة الاستيعابية المعلن عنها تصل إلى 262 سريرا، موزعة على 69 سريرا لمصلحة الطب، و60 لمصلحة الجراحة، و76 لمصلحة الأم والطفل، و25 لمصلحة الأمراض الصدرية والتنفسية، و11 سريرا للإنعاش، بالإضافة إلى 8 أسرة للوحدة المخصصة لما بعد التخدير.
ويتوفر المستشفى على مستوى التجهيزات، على مركب جراحي يضم 6 قاعات للعمليات، ووحدة تقنية للولادة تشمل 8 قاعات، ومصلحة للمستعجلات تضم 13 قاعة، إضافة إلى وحدة للتصوير بالأشعة بها 4 قاعات للراديو وقاعتان للسكانير. المرحلة الأولى من المشروع، المخصصة للبنيات والتجهيزات الرئيسية، تطلبت غلافا ماليا في حدود 225 مليون درهم، مع برمجة مرحلة ثانية لإعادة تهيئة المستشفى النهاري الطبي والجراحي ورفع طاقتهما الاستيعابية، وإحداث مرافق إضافية مثل الصيدلية المركزية وقاعات للفحوصات الخارجية ووحدة للتعقيم ومرافق إدارية وخدماتية.
كما جرى إطلاق مركزين صحيين قرويين من المستوى الأول في جماعتَي الخنك وبني موسى، بمساحة مغطاة تقارب 200 متر مربع لكل منهما، بكلفة تناهز 550 ألف درهم للمركز الواحد، مع تجهيزهما بقاعات للفحص والاستقبال والعلاجات، ووحدات لصحة الأم والطفل والصحة الإنجابية، وقاعات للمستعجلات والصيدلية وبعض الفضاءات الإدارية. الهدف المعلن كان تقريب خدمات القرب من ساكنة قروية يصل عددها إلى أكثر من 15 ألف نسمة، وتخفيف الضغط عن المستشفى الجهوي.
بين الخطاب الرسمي والواقع: هل تحسنت تجربة المريض؟
على الورق، تبدو هذه الأرقام مطمئنة: مستشفى موسَّع، عدد الأسرة مرفوع، تجهيزات حديثة، مراكز صحية قروية جديدة، وغلاف مالي مهم استُثمر في جهة طالما اشتكت من الهشاشة. لكن السؤال الجوهري في أي تحقيق ميداني يبقى: كيف انعكس ذلك على تجربة المريض اليومية، وعلى أداء المنظومة الصحية محليا؟
دراسات تقييم المنظومة الصحية بالمغرب حذرت من أن توسيع البنيات لوحده غير كاف إذا لم يواكبه توفير حقيقي ومُستدام للموارد البشرية والتسيير والصيانة. الخصاص في الأطباء والممرضين، خاصة في التخصصات الدقيقة وفي المستشفيات الواقعة خارج المحاور الكبرى، يبقى العائق الأكبر أمام استغلال كامل الطاقة الاستيعابية للبنيات الجديدة.
المجلس الأعلى للحسابات سجل أن ارتفاع عدد الأطباء والمهنيين الصحيين خلال الفترة 2011–2020 لم يترجم إلى تحسن ملموس في معدل الأطر لكل ساكن، بسبب تزايد السكان، وتحول جزء من الأطر نحو القطاع الخاص، وعدم جاذبية القطاع العمومي في عدد من المناطق. وأكدت دراسة أجريت لمراجعة تخطيط الموارد البشرية للصحة أن الخصاص في الأطباء مرشح للاستمرار إلى أفق 2030 إذا لم تُتخذ إجراءات قوية لتحسين ظروف العمل والأجور والتحفيز في المناطق النائية، مع ضبط هجرة الكفاءات.
وسجل تقرير لمنظمة الصحة العالمية أن المغرب كان يتوفر سنة 2017 على كثافة لا تتجاوز 15.5 طبيبا وممرضا وقابلة لكل 10 آلاف نسمة، مع عجز واضح في تخصصات حيوية مثل الإنعاش والتخدير وأمراض القلب والأعصاب، إضافة إلى نقص في الأطر التدبيرية والإدارة الصحية. ويتجلى هذا النقص بشكل أوضح في مستشفيات جهوية مثل مولاي علي الشريف، حيث يُطلب من فرق صغيرة تغطية مجال ترابي واسع والقيام بمناوبات طويلة في ظروف صعبة.
تجربة كوفيد-19: ضغط استثنائي يكشف أعطابا بنيوية
خلال جائحة كوفيد-19، وجد المستشفى الجهوي مولاي علي الشريف نفسه في واجهة مواجهة الوباء على مستوى الجهة، مستقبلا حالات مؤكدة من الرشيدية وأقاليم أخرى، في سياق ضغط عالمي على الأدوية والأكسجين ووسائل الحماية. وأبرزت دراسة وبائية نُشرت حول خصائص عينة من مرضى كوفيد-19 الذين تكفل بهم المستشفى، حجم التحدي الذي واجهته المؤسسة، خاصة في ظل محدودية أسرّة الإنعاش قبل التوسعة، وضرورة التكيف مع بروتوكولات علاجية متغيرة وموارد بشرية محدودة.
هذا الاختبار الوبائي الحاد كشف أن أعطاب المنظومة ليست ظرفية، بل بنيوية، وأن تحسين جاهزية المستشفيات الجهوية لا يمر فقط عبر اقتناء أجهزة للتنفس أو إضافة أسرة، بل يتطلب بناء قدرة مؤسساتية وبشرية مستدامة على إدارة الأزمات الصحية. في هذا السياق، جاء تزويد المستشفى بمولد للأكسجين وتحسين قدرته على التكفل بحالات تحتاج إلى دعم تنفسي كخطوة إيجابية، لكنها تظل جزءا من معادلة أعقد تتعلق بتوزيع الأطباء في الإنعاش والتخدير وتجديد التجهيزات وصيانة البنيات.
أصوات من الميدان: معاناة مزمنة رغم التحسينات
مع كل هذا لا زالت تقارير صحفية محلية ووطنية حديثة تنقل، بين الفينة والأخرى، قصصا عن معاناة مرضى يبحثون عن سرير إنعاش أو موعد فحص متخصص في الرشيدية، واضطرار عائلات إلى نقل ذويها إلى مدن أخرى بعد انتظار مرهق في أقسام المستعجلات. في إحدى القضايا التي أثارت الجدل قبل سنوات، توفيت امرأة بعد الولادة في الرشيدية، ما دفع وزارة الصحة حينها إلى نفي مسؤولية المستشفى عن الإهمال، لكن الحادثة أعادت إلى الواجهة سؤال جودة التكفل بصحة الأم والطفل في منطقة تعاني من فوارق مجالية وصعوبات في النقل والإحالة.
كما تحدثت تغطيات صحفية أخرى عن استمرار حالات الاكتظاظ في بعض الأقسام خلال فترات الذروة، خاصة في قسم المستعجلات والطب العام، وعن إرهاق كبير للأطقم التمريضية، وهو وضع لا يختلف كثيرا عن باقي المستشفيات العمومية في البلاد، لكنه يكتسب وطأة خاصة في منطقة نائية تفتقر لبدائل حقيقية في القطاع الخاص.
الإصلاح الصحي الجديد: فرصة أم شعار إضافي؟
إطلاق إصلاح وطني جديد للمنظومة الصحية، متزامن مع تعميم التغطية الصحية الإجبارية وتوحيد أنظمة التأمين، قُدم كفرصة “تاريخية” لإعادة ترتيب البيت الصحي وتحقيق قفزة نوعية في الولوج إلى الخدمات. هذا الإصلاح يَعد بإحداث هيئات جهوية للصحة، وتحسين حكامة المستشفيات العمومية، وتعزيز الاستثمار في البنيات والموارد البشرية، وتقليص التفاوتات المجالية.
غير أن دراسات تحليلية حذرت من أن تحويل هذه الوعود إلى واقع يتطلب مجهودا ماليا وتنظيميا ضخما، وجرأة سياسية في إعادة توجيه الموارد نحو الجهات الأقل استفادة، وخلق حوافز قوية لجذب الأطباء والممرضين إلى المستشفيات الجهوية والإقليمية. من دون ذلك، يبقى الخطر قائما بأن تتحول النصوص المنظمة الجديدة إلى طبقة إضافية من الخطاب الإصلاحي الذي لن يغيّر تجربة المريض في درعة تافيلالت أو غيرها من “المغرب الهامشي”.
مولاي علي الشريف كنموذج: ما الذي يكشفه؟
إذا جرى النظر إلى المستشفى الجهوي مولاي علي الشريف كنموذج مصغر للمنظومة الصحية في الهامش المغربي، يمكن تلخيص “الصورة المركبة” كما يلي:
من جهة أولى، استثمار مهم في البنيات والتجهيزات، ورفعٌ لعدد الأسرة، وتحسين في قدرات الجراحة والولادة والأشعة، ووإطلاق مراكز صحية جديدة لتخفيف الضغط وتقريب الخدمات.
من جهة ثانية، استمرار خصاص بنيوي في الموارد البشرية، وصعوبات في تغطية كل التخصصات على مدار الساعة، وضغط متكرر على أقسام المستعجلات والإنعاش، وبقاء جزء من المرضى رهنا بالتحويل نحو مدن أخرى بحثا عن خدمات غير متوفرة محليا
هذه المفارقة تعكس بدقة ما تسجله التقارير الوطنية والدولية: المغرب يراكم إنجازات في توسيع العرض الصحي وتحديث بعض البنيات، لكنه لم ينجح بعد في تحقيق قفزة حاسمة على مستوى الإنصاف الترابي في توزيع الأطر والتجهيزات وجودة الخدمات.
متى تخرج المستشفيات من “غرفة الإنعاش”؟
سؤال “المستشفيات في غرفة الإنعاش” لا يعبّر فقط عن وضع بنايات مادية تحتاج إلى ترميم، بل عن منظومة بكاملها تبحث عن نفس جديد بين مطرقة الخصاص في الموارد البشرية وسندان الطلب الاجتماعي المتزايد على العلاج العمومي. في الرشيدية، حيث يحاول مستشفى مولاي علي الشريف أن يلعب دور مستشفى جهوي بمعايير وطنية فوق أرضية مجالية هشّة، يتحول هذا السؤال إلى اختبار حقيقي لمصداقية الإصلاح الصحي برمته.
نجاح الإصلاح لن يُقاس بعدد البيانات الرسمية ولا بحجم الغلاف المالي المعلن عن التوسعات، بقدر ما سيُقاس زمنيا بالوقت الذي يقضيه المريض في انتظار سرير إنعاش، وبعدد الحوامل اللواتي يتمكنّ من الولادة في ظروف آمنة، وبمدى قدرة ساكنة درعة تافيلالت على إيجاد خدمات صحية لائقة في جهتهم دون الحاجة إلى “رحلة علاج” نحو الساحل.
إلى أن يتحقق ذلك، سيظل مستشفى مولاي علي الشريف، رغم توسعته وتجهيزه، مرآة تعكس حالة منظومة بكاملها: إصلاحات تسير، لكن ببطء لا يطمئن مرضى في سباق مع الزمن، وأطرا صحية في سباق مع الإنهاك، وجهة بكاملها في سباق مع شعور مزمن باللاعدالة المجالية الصحية.














