واردات المحروقات بين ارتفاع الكميات وتراجع القيم: ماذا تكشف أرقام مجلس المنافسة عن سوق الغازوال والبنزين؟

الحدث بريس14 يناير 2026
واردات المحروقات بين ارتفاع الكميات وتراجع القيم: ماذا تكشف أرقام مجلس المنافسة عن سوق الغازوال والبنزين؟
CREATOR: gd-jpeg v1.0 (using IJG JPEG v62), quality = 70

يكشف ارتفاع المحروقات عن تحولات دقيقة تمس بنية سوق المحروقات. وتوازنات المالية العمومية، وسلوك شركات التوزيع، بل وحتى انعكاسات الظرفية الدولية على الاقتصاد الوطني. ومن هذا المنطلق، يكتسي التقرير الصادر عن مجلس المنافسة برسم الربع الثالث من سنة 2025 أهمية خاصة. باعتباره يسلط الضوء على مفارقة لافتة: ارتفاع ملموس في الكميات المستوردة مقابل تراجع طفيف في القيمة الإجمالية.

ارتفاع الكميات… مؤشر على دينامية الطلب

وتظهر معطيات مجلس المنافسة أن حجم واردات الغازوال والبنزين بلغ 1,91 مليون طن خلال الربع الثالث من سنة 2025. أي بزيادة قدرها 12,4 في المائة مقارنة بنفس الفترة من سنة 2024. ومن ثم، يمكن قراءة هذا الارتفاع بوصفه انعكاسًا مباشرًا لتنامي الطلب الداخلي. سواء بفعل النشاط الاقتصادي، أو بفعل ارتفاع الاستهلاك المرتبط بالنقل والقطاعات الإنتاجية. ويبرز عنصر آخر لا يقل أهمية، يتمثل في تراجع القيمة الإجمالية للواردات بنسبة 1,3 في المائة. وهو ما يفتح الباب أمام قراءة أعمق للعوامل السعرية في السوق الدولية.

تراجع القيمة… أثر الأسعار العالمية

وساهم انخفاض الأسعار في السوق الدولية للمحروقات في كبح ارتفاع الفاتورة الطاقية، رغم زيادة الكميات المستوردة. وبعبارة أخرى، فإن المغرب استورد أكثر، لكنه دفع أقل نسبيًا. وهو ما يعكس تفاعلًا مباشرًا مع تقلبات أسعار النفط والمنتجات المكررة عالميًا. لتبرز أهمية الظرفية الدولية في تفسير هذه الأرقام، خاصة في ظل التوترات الجيوسياسية والتغيرات المستمرة في العرض والطلب العالميين.

هيمنة الغازوال على الواردات

وتصدر الغازوال المشهد بوضوح، مستحوذًا على 88 في المائة من حيث الحجم و87 في المائة من حيث القيمة.
ويعكس هذا المعطى، من جهة، طبيعة النسيج الاقتصادي الوطني المعتمد بشكل كبير على النقل الطرقي واللوجستيك، ومن جهة أخرى، استمرار مركزية الغازوال في أنماط الاستهلاك الطاقي. وفي هذا الإطار، سجل حجم واردات الغازوال 1,68 مليون طن، بزيادة 12 في المائة، في حين تراجعت قيمته بنسبة 1,5 في المائة، وهو ما يؤكد مرة أخرى تأثير العامل السعري.

البنزين… نمو أسرع ولكن بحصة أقل

وسجّل البنزين، رغم حصته المحدودة مقارنة بالغازوال، دينامية لافتة خلال الفترة المعنية، إذ ارتفع حجم وارداته بنسبة 16,2 في المائة، في حين ظلت قيمته شبه مستقرة، مسجلة انخفاضًا طفيفًا بنسبة 0,6 في المائة. وبناءً على ذلك، يُعد البنزين منتوجًا يشهد نموًا نسبيًا أسرع، رغم أن تأثيره الإجمالي على الفاتورة الطاقية والمداخيل الجبائية يظل أقل من الغازوال.

تركّز السوق وهيمنة الشركات التسع

ويظهر التقرير أن تسع شركات توزيع فقط تستحوذ على حوالي 82 في المائة من واردات الغازوال والبنزين من حيث الحجم والقيمة. وهذا التركّز يطرح، مرة أخرى، أسئلة جوهرية حول بنية السوق، ومدى تنافسيتها، وحدود تأثير الفاعلين الكبار على الأسعار وهوامش الربح. وعلى الرغم من ارتفاع حجم واردات هذه الشركات بنسبة 9,1 في المائة، فإن قيمة وارداتها تراجعت بـ4,7 في المائة، وهو ما يعكس استفادتها المباشرة من انخفاض الأسعار الدولية.

المداخيل الجبائية… الدولة الرابح الأكبر

وتكشف الأرقام أن المداخيل الجبائية لواردات الغازوال والبنزين بلغت 7,83 مليار درهم، بزيادة قدرها 8,6 في المائة مقارنة بسنة 2024. ويُعزى هذا الارتفاع، بالأساس، إلى زيادة الكميات المستوردة، التي عوضت تراجع القيمة، وأدت إلى إنعاش مداخيل الضريبة الداخلية على الاستهلاك. وفي هذا الإطار، شكّلت هذه الضريبة ما يقارب 76 في المائة من إجمالي المداخيل الجبائية، متبوعة بالضريبة على القيمة المضافة بنسبة 24 في المائة، وهو ما يبرز ثقل المحروقات كمورد جبائي أساسي لخزينة الدولة.

الغازوال في صدارة الموارد الجبائية

ويتبيّن أن الغازوال يواصل تصدّره كمصدر رئيسي للموارد، بحصة تناهز 82 في المائة من إجمالي المداخيل، أي ما يعادل نحو 6,40 مليار درهم. وفي المقابل، حقق البنزين مداخيل جبائية بلغت 1,44 مليار درهم، مسجلًا نموًا لافتًا بنسبة 15,2 في المائة، وهو ما يعكس تزايد استهلاكه النسبي داخل السوق الوطنية.

أرقام تحمل دلالات استراتيجية

ويتضح أن تقرير مجلس المنافسة لا يقدّم مجرد صورة رقمية عن واردات المحروقات، بل يكشف، في العمق، عن توازن دقيق بين الطلب الداخلي، وتقلبات الأسعار الدولية، وبنية السوق، ومستوى المداخيل الجبائية. وبين ارتفاع الكميات المستوردة وتراجع القيم المالية، تبرز حقيقة أساسية مفادها أن قطاع المحروقات يظل قطاعًا استراتيجيًا بامتياز، تتقاطع داخله رهانات الاقتصاد الوطني، والمالية العمومية، ومتطلبات المنافسة. ومن ثم، فإن القراءة المتعمقة لهذه الأرقام تظل ضرورية لفهم ملامح مستقبل سياسة الطاقة، وآفاق ضبط السوق، وحدود تدخل الدولة في قطاع لا يزال في صلب النقاش العمومي.

أضف تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.