الهوية الأمازيغية: من “عتمة التهميش” إلى ريادة الحضارة الإنسانية

الحدث بريس16 يناير 2026
الهوية الأمازيغية: من "عتمة التهميش" إلى ريادة الحضارة الإنسانية
​بقلم: عبد الإله شفيشو / فاس

​بحلول السنة الأمازيغية الجديدة 2976 (Asseggas Ameggaz)، يجدد الشعب المغربي وصاله مع تاريخ ضارب في القدم. لكن هذا الاحتفال ليس مجرد طقس فلكلوري عابر، بل هو وقفة تأمل سياسية وثقافية تستوجب استحضار المسار الشاق الذي قطعته الهوية الأمازيغية. من عقود الإقصاء الممنهج في “مغرب ما بعد الاستقلال”، وصولاً إلى مرحلة “الاعتراف المؤسساتي” التي دشنتها الخطب الملكية التاريخية في الألفية الثالثة. معتبرةً الأمازيغية مكوناً لا يتجزأ من الهوية المغربية المتعددة ولغة رسمية للدولة.

​جغرافيا السيادة.. إفريقيا للأفارقة

​إن الثقافة الأمازيغية، بصفتها ثقافة إفريقية بامتياز، تقع في صلب بناء الحضارات داخل القارة وخارجها. ويكفينا فخراً أن مصطلح “إفريقيا” ذاته ارتبط بالملك الأمازيغي “ماسينيسا”، صاحب المقولة الاستراتيجية الشهيرة: “إفريقيا للأفارقة”.
​هذا التجذر ليس ادعاءً عاطفياً، بل تؤكده شواهد الأركيولوجيا. فإذا عدنا إلى فترة ما قبل التاريخ، نجد أن “الحضارة الآشولية” (بقاياها تعود لـ 1.2 مليون سنة) قد استوطنت المغرب والجزائر. معلنةً عن أول ثورة صناعية حجرية عرفتها البشرية. بل إن المغرب أثبت للعالم أنه “مهد الإنسان العاقل”، بفضل الاكتشاف المذهل بموقع “جبل إيغود” (315 ألف سنة) الذي قدمه الباحث المغربي “عبد الواحد بناصر” والألماني “جون جاك هوبلان”. يضاف إلى ذلك العثور على أقدم حلي في التاريخ بضواحي الصويرة (150 ألف سنة)، ما يدحض الروايات السابقة التي كانت تحصر أصل الحضارة في مناطق أخرى.

​في نقد “الاختزال الفج” و”القراءات الضيقة”

​إن اتهام الحركة الأمازيغية بأنها مجرد “واجهة ثقافوية” أو “أداة توظيف ناعم” لأجندات خارجية. هو تجنٍّ صارخ وقفز على تضحيات جسام لمناضلين ومناضلات واجهوا القمع دفاعاً عن الهوية. هذه الحركة لم تولد في “صالونات النخبة”، بل انبثقت من قلب “الهامش” والمعاناة. كفعل مقاومة ضد سلطة مركزية حاولت طمس التعدد اللغوي باسم “وحدة إقصائية زيفية”.

​ومن الخطأ أيضاً، بل من “العمى التحليلي”، اختزال الأمازيغية في بعد “طبقي” ضيق. أو ربطها حصرياً بأنماط إنتاج تقليدية (رعي، زراعة). فرغم استناد بعض القراءات للأدوات الماركسية، إلا أنها تتجاهل أن الأمازيغ كانوا ضحايا “تذويب قسري”. مارسته الدولة المركزية بنسخها المختلفة (المخزنية، الكولونيالية، وما بعدها). إن التهميش الذي طال الأمازيغية لا يمكن تفسيره بصراع الطبقات وحده. بل هو نتاج “هيمنة إيديولوجية” وبنية استبدادية حاولت صهر التعدد في قوالب جاهزة.

​التحرر لا يتجزأ

​إن الدفاع عن الثقافة الأمازيغية اليوم ليس “ترفاً فكرياً” ولا ارتماءً في أحضان “النيوليبرالية”. بل هو نضال وجودي لإعادة الاعتبار لمجتمع جرّد طويلاً من تاريخه. هي ثقافة تحمل في جوهرها قيم التضامن، المساواة، والديمقراطية، وهي القيم التي نحتاجها اليوم في بناء مغرب الغد.

​على الجمعيات الحقوقية، والمثقفين، والنشطاء، الاستمرار في معركة “تثبيت الهوية” على كافة المستويات: الأكاديمية، السياسية، والاقتصادية. فبدون اعتراف حقيقي وكامل بالأمازيغية، سيظل أي مشروع تحرري في هذا الوطن ناقصاً. وأي خطاب عن العدالة الاجتماعية “أجوفاً”، لأن الحرية والكرامة كتل لا تقبل التجزئة.

أضف تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.