الهزة الأخيرة: معطيات تقنية ودلالات ميدانية
وكشفت المعطيات الرسمية الصادرة عن المعهد الوطني للجيوفيزياء. أن قوة الهزة الأرضية التي رصدت بمنطقة الحوز بلغت 3 درجات على سلم ريشتر. وحدد مركزها في جماعة أمكدال بضواحي الإقليم. ورغم تصنيف هذه الهزة ضمن الهزات الضعيفة من الناحية العلمية فإن استشعارها من طرف السكان أكد قرب مركزها من اليابسة وضحالة عمقها النسبي. وفي هذا الإطار، شدد ناصر جبور، مدير المعهد الوطني للجيوفيزياء، على أن الهزة لم تخلف أي خسائر، مبرزا أن هذا النوع من الارتدادات يندرج ضمن النشاط الزلزالي العادي، ولا يحمل مؤشرات على حدوث زلزال قوي ووشيك.
من الحوز إلى الشمال: تعدد البؤر وتنوع الخصائص
وسجِّلت خلال الأيام الأخيرة هزات أرضية متفرقة، لم تكن هزة الحوز إحداها سوى حلقة ضمنها. إذ سبقها رصد هزة بقوة 4,4 درجات قبالة سواحل مدينة مارتيل. على عمق ناهز 60 كيلومترًا وعلى بُعد يقارب 70 كيلومترًا من اليابسة. ورغم قوتها الأعلى نسبيًا. جعل عمقها وبعدها الجغرافي تأثيرها غير محسوس لدى السكان. ما أبرز الفارق بين شدة الزلزال وانعكاسه الفعلي على سطح الأرض، وأكد أن العامل الحاسم لا يقتصر على القوة وحدها، بل يشمل أيضًا العمق والموقع الجغرافي.
النشاط الزلزالي بالمغرب: واقع جيولوجي قديم
ويقع المغرب في منطقة تماس بين الصفيحتين الإفريقية والأوروبية. ما يجعله عرضة لنشاط زلزالي متوسّط إلى قوي في بعض المناطق، خاصة شمال البلاد وسلسلة الأطلس الكبير. وعليه، فإن تسجيل هزات أرضية متفاوتة القوة يُعد أمرًا طبيعيًا في سياق دينامية القشرة الأرضية، ولا يعني بالضرورة وجود خطر وشيك. غير أن هذا الواقع الجيولوجي يفرض، في المقابل، يقظة دائمة واستثمارًا مستمرًا في الرصد العلمي، والتخطيط العمراني، والتوعية المجتمعية.
بين العلم والخوف: دور التواصل المؤسساتي
وبرز أحد أهم التحديات المرتبطة بالهزات الأرضية لا في الظاهرة نفسها فحسب، بل في كيفية التواصل بشأنها. إذ فتح غياب المعلومة الدقيقة أو تأخرها المجال أمام الإشاعات والتأويلات المبالغ فيها، خاصة في مناطق عاشت تجارب زلزالية مؤلمة. وفي هذا السياق، اضطلع المعهد الوطني للجيوفيزياء بدور محوري من خلال تقديم معطيات علمية فورية وطمأنة المواطنين، كما أكد مديره ناصر جبور أن “مثل هذه الهزات طبيعية ولا تدعو إلى القلق”.
الجاهزية والوقاية: ما بعد الهزة
وأعادت الهزات الأرضية الأخيرة، رغم طابعها غير المقلق، طرح سؤال الجاهزية والوقاية إلى الواجهة. ذلك أن التعامل مع الزلازل لا ينبغي أن يظل مجرد ردّ فعل ظرفي. بل يتعيّن أن يتحول، في المقابل، إلى سياسة استباقية متكاملة تقوم، أولًا، على احترام معايير البناء المضاد للزلازل. وثانيًا، على تحيين خرائط المخاطر الزلزالية، إضافةً إلى تعزيز ثقافة السلامة لدى المواطنين، فضلًا عن إدماج التربية على المخاطر الطبيعية في البرامج التعليمية. وبهذا المعنى، لا تعود الهزات الأرضية مجرد مصدر للخوف والقلق، بل تتحول، تدريجيًا، إلى فرصة لتعزيز الوعي الجماعي وترسيخ منطق الاستعداد المستدام.
هزات خفيفة ورسائل عميقة
وتؤكد الهزات الأرضية المسجلة بالحوز وسواحل الشمال أن المغرب يعيش على إيقاع نشاط زلزالي طبيعي تحكمه اعتبارات جيولوجية معروفة. وبينما يظل الخوف ردّ فعل إنسانيًا مشروعًا. فإن العلم والمعرفة يظلان السبيل الأنجع لفهم الظاهرة والتعايش معها بعقلانية. فالهزات قد تكون خفيفة في قوتها، لكنها تحمل رسائل عميقة مفادها أن الاستعداد والوقاية هما خط الدفاع الأول أمام تقلبات الطبيعة.















