أعاد وزير النقل واللوجستيك عبد الصمد قيوح، فتح ملف لوحات ترقيم العربات. بعدما وجد المسؤولون أنفسهم في قلب موجة من الانتقادات الواسعة والتساؤلات المتزايدة حول خلفيات القرار وجدوى العملية. هذا التراجع، الذي جاء بعد أيام قليلة من الإعلان عن الإجراءات الجديدة. لم يكن مجرد خطوة تقنية، بل كشف عن تعقيدات أعمق تتعلق بتدبير الإصلاحات المرتبطة بقطاع حيوي يمس الحياة اليومية للمواطنين.
قرار تقني أم إصلاح مثير للحساسية الاجتماعية؟
وانطلق قرار مراجعة لوحات الترقيم في الأصل من منطق تحديث منظومة السير والجولان وتعزيز قابلية تتبع المركبات. وتحسين شروط السلامة الطرقية، إلى جانب ملاءمة المعايير الوطنية مع التطورات التكنولوجية المعتمدة دوليا. غير أن هذا البعد التقني سرعان ما اصطدم بحساسية اجتماعية واقتصادية واضحة. خاصة مع تداول معطيات عن كلفة محتملة قد يتحملها أصحاب العربات. وبينما رأت الوزارة في القرار خطوة تنظيمية ضرورية. قرأه جزء واسع من المواطنين والمهنيين باعتباره إجراء إضافيا يثقل كاهلهم. في سياق اقتصادي يتسم أصلا بارتفاع تكاليف المعيشة وأسعار المحروقات والصيانة.
موجة رفض مهني وضغط الرأي العام
وأثار القرار ردود فعل متباينة داخل أوساط مهنيي النقل وأرباب مدارس تعليم السياقة وأصحاب سيارات الأجرة. حيث اعتبر كثيرون أن المقاربة المعتمدة افتقرت إلى التشاور المسبق وإشراك الفاعلين المعنيين. ومع اتساع رقعة النقاش على مواقع التواصل الاجتماعي. ليتحول الموضوع إلى قضية رأي عام، رافقتها تساؤلات حول التوقيت، والكلفة، ومدى جاهزية البنية الإدارية لتطبيق القرار دون ارتباك. هذا الضغط المتنامي لعب دورا حاسما في دفع الوزارة إلى مراجعة موقفها، في محاولة لاحتواء الجدل ومنع تحوله إلى أزمة ثقة بين الإدارة والمواطن.
التراجع كرسالة سياسية وإدارية
ويشير متابعون إلى أن هذا التراجع يعكس أيضا وعيا متزايدا داخل القطاعات الحكومية بأهمية استباق ردود الفعل، وتفسير القرارات الكبرى للرأي العام قبل تنزيلها، خاصة تلك التي تمس شريحة واسعة من المواطنين. فلم يكن قرار وزارة النقل بمراجعة الإجراء مجرد تراجع تقني، بل حمل في طياته رسالة سياسية مفادها أن الإصلاحات، مهما كانت مبرراتها، لا يمكن أن تنجح دون قبول اجتماعي وتواصل واضح. فالإدارة، في هذا السياق، وجدت نفسها مطالبة بتصحيح مسار الإصلاح عبر الإنصات لملاحظات المعنيين، واعتماد مقاربة تشاركية أكثر انفتاحا.
ما الذي ينتظر منظومة الترقيم مستقبلا؟
وينتظر، على ضوء هذه التطورات، أن تعمد وزارة النقل إلى إعادة صياغة القرار وفق مقاربة تدريجية، قد تشمل إدخال تعديلات تقنية دون فرض تغييرات شاملة أو مكلفة في المدى القريب. كما يرجح أن يتم فتح باب المشاورات مع المهنيين والخبراء، لضمان توافق أوسع حول أي إصلاح مستقبلي.
ويبقى ملف لوحات الترقيم نموذجا دالا على التحديات التي تواجه الإصلاحات الإدارية في القطاعات الحساسة، حيث لا يكفي حسن النية أو الهدف التنظيمي، بل يصبح التواصل، والشفافية، والتدرج عناصر حاسمة لضمان النجاح والاستمرارية.
وأعاد الجدل حول لوحات الترقيم طرح سؤال جوهري: كيف يمكن تحديث المرافق العمومية دون أن يتحول الإصلاح إلى عبء اجتماعي؟ سؤال يبدو أن وزارة النقل مطالبة بالإجابة عنه في المرحلة المقبلة، ليس فقط عبر القرارات، بل عبر طريقة اتخاذها وتنزيلها.















