كشف الإعلان عن استعداد الحكومة لإطلاق حملة وطنية كبرى للتحسيس بأهمية مشاركة المرأة المغربية في الحياة السياسية والمؤسساتية عن وعي متزايد بعمق الإشكال الذي ما يزال يطبع حضور النساء في مراكز القرار. فهذه المبادرة، التي قدمت معالمها وزيرة التضامن والإدماج الاجتماعي والأسرة، نعيمة بن يحيى، لا تأتي كخطوة معزولة، بل تندرج ضمن سياق وطني ودستوري يسعى إلى إعادة التوازن داخل الفضاء العمومي. وتعزيز الديمقراطية التشاركية من خلال توسيع قاعدة الفاعلين.
سياق عام يفرض التحرك
ويأتي هذا التوجه الحكومي في ظل مفارقة واضحة: تقدم تشريعي ودستوري ملحوظ في مجال حقوق المرأة. يقابله استمرار ضعف تمثيليتها داخل المؤسسات المنتخبة ومراكز صنع القرار. فرغم التنصيص الدستوري على مبدأ المناصفة، ورغم اعتماد آليات تشجيعية مثل اللائحة الوطنية. ما تزال المشاركة النسائية دون الطموحات المعلنة، سواء على مستوى الترشح أو تقلد المناصب القيادية داخل الأحزاب والمؤسسات. هذا الواقع يبرز أن الإشكال لم يعد قانونياً فقط. بل ثقافياً واجتماعياً بالأساس. وهو ما يفسر تركيز الحملة المرتقبة على التحسيس وتفكيك الصور النمطية المتجذرة في الوعي الجماعي.
برنامج “مشاركة”: رهان على تغيير العقليات
ويشكل برنامج “مشاركة” الإطار العملي الذي تستند إليه هذه الحملة. حيث يهدف إلى إحداث تحول عميق في تمثلات المجتمع لدور المرأة في الشأن العام. فالبرنامج لا يكتفي بالدعوة إلى رفع عدد النساء في المؤسسات، بل يسعى إلى بناء قناعة مجتمعية بأن الكفاءة والقيادة ليستا حكراً على جنس دون آخر. وفي هذا السياق، تراهن الوزارة على تعزيز ثقة النساء في قدراتهن، وتوفير مواكبة حقيقية لهن عبر آليات التأطير والتكوين والتمكين، بما يسمح بانتقال المشاركة النسائية من منطق الرمزية إلى منطق الفعل والتأثير.
بين التحفيز السياسي والتمكين العملي
وتظهر المعطيات أن العزوف النسائي عن العمل السياسي لا يرتبط فقط بعوامل خارجية، بل أيضاً بتراكمات نفسية وثقافية تجعل كثيراً من النساء يترددن في خوض غمار التجربة. ومن هنا، تبرز أهمية الحملة الوطنية كأداة لتعبئة النساء، وتشجيعهن على الانخراط في الأحزاب، والمجالس المنتخبة، وهيئات الحكامة، مع العمل في الوقت نفسه على تغيير نظرة المجتمع إلى المرأة القيادية. كما أن دعم ولوج الكفاءات النسائية إلى مراكز اتخاذ القرار يظل رهيناً بإرادة سياسية حقيقية داخل الأحزاب والمؤسسات. وهو ما يجعل من هذه الحملة اختباراً لمدى استعداد الفاعلين السياسيين لترجمة الخطاب إلى ممارسة.
انسجام مع التوجيهات الملكية والدستور
وجعلت هذه المبادرة من تمكين المرأة ركيزة أساسية للتنمية الشاملة. ولا عن مقتضيات الدستور التي تنص بوضوح على المساواة والمناصفة. ومن هذا المنطلق، تبدو الحملة المرتقبة امتدادا لمسار إصلاحي أوسع، يربط بين العدالة الاجتماعية، وتوسيع المشاركة، وتعزيز الثقة في المؤسسات.
نحو ديمقراطية أكثر شمولا
وتعكس الحملة الوطنية المنتظرة قناعة متزايدة بأن التنمية والديمقراطية لا يمكن أن تتحققا بنصف المجتمع فقط. فالرهان اليوم لم يعد يقتصر على رفع نسب التمثيلية النسائية. بل يتجاوز ذلك إلى بناء نخبة نسائية وإذا ما كتب لهذه المبادرة النجاح، فإنها قد تشكل منعطفاً حقيقياً في مسار المشاركة السياسية للمرأة المغربية، وتؤسس لمرحلة جديدة يكون فيها الحضور النسائي داخل الفضاء العمومي أمراً طبيعياً، لا استثناءً مؤقتاً أو إجراءً تصحيحياً ظرفياً.